ترجمات رسائل جبران خليل جبران إلى ماري هاسكال
2021 - 09 - 19

''أتمنى أن يأتي يوم يتيح لي فرصة إعلان،التالي :''لقد أصبحت فنانا بفضل ماري هاسكال''(جبران خليل جبران).

''ذات يوم سنقرأ صمتكَ وكتاباتكَ، وسيكون غموضكَ معطى أصيلا للنور''(ماري هاسكال).

 * بوسطن 17/ 20 فبراير 1908

يشكر جبران ماري هاسكال التي اقترحت عليه منحه دعمها المادي كي يسافر إلى باريس قصد مواصلة الدراسة:

''هل من حقي أن أحظى بكل هذه السعادة؟موضوع يستحق التأمل،رشفات فنجان قهوة وبعض السجائر وكذا خشخشة نار وفق ميلوديا عذبة.هل يمكنني الابتهاج بكل ذلك تحت كنفِ جناحكِ الرحب؟هذا يفوق السعادة.حقيقة، أنا طفل منبثق من النور''.

*بوسطن 25مارس 1908

يتحدث جبران عن المسيح :

"نفسي منتشية هذا اليوم،فقد حلمتُ البارحة،بمن وهب الإنسان مملكة السماء.آه !لو أمكنني أن أصف لكم ذلك. فأحدثكم عن تلك الفرحة الحزينة البادية على عينيه،وكذا عذوبة مرارة تعكسها شفتاه،جمال يديه العريضتين ولباسه الصوفي الخشن وكذا قدميه الحافيتين وقد غشيتهما قليلا غبرة بيضاء.بدا المشهد طبيعيا جدا ومضيئا للغاية.لامجال قط لأيّ شكل من أشكال الغموض التي تجعل الأحلام الأخرى سديمية.جلستُ بجواره وتحدثتُ معه كما لو عشتُ صحبته منذ فترة طويلة.لاأتذكر أقواله،مع ذلك لازلتُ أحس بها حاليا مثلما نحس صباحا بتأثير ارتدادات موسيقى أصغينا إليها قبل الخلود إلى النوم.لم أستطع تحديد المكان ولاأذكر بأني رأيته سابقا،مع ذلك يتجه تخميني نحو فضاء سوريا''.

*باريس29  يوليو 1908

"أرى سلفا وجهي باريس :الجميل والقبيح؛وأنا هنا من أجل دراسة المظهرين،هكذا يمكنني فهم الحياة والموت.نعم،يتسلل فكر الانحلال وجهة هذه الحاضرة الرائعة،لكننا ننساق خلف التغافل عن مسألة وجود دودة شائنة في جوف تفاحة يانعة.

"قلبي زاخر بأشياء مجنَّحة،وأحتفظ بها غاية مجيئكِ''.

مقالات نقدية غراميات جبران خليل جبران : مي زيادة ،ماري هاسكال.. ونساء أخريات.
2021 - 09 - 19

جبران / مي زيادة :

اشتهر الجانب العاطفي لدى جبران خليل جبران،من خلال سياقات معطيات علاقته بالأديبة مي زيادة.أمر، تجلى واضحا؛عبر تجليات رسائلهما المتواصلة لمدة عشرين سنة، دون أن يلتقيا قط،للمفارقة العجيبة!ولو لمرة واحدة على أرض الواقع.أيضا،انتظرت مي زيادة اثنتي عشر سنة بالتمام والكمال،كي تعترف أخيرا لجبران بأنها تحبه،وتسكنها رغبة دفينة أن يطلبها للزواج،سؤال تجنبه جبران على الأقل مع مي،غاية موته. في حين،ألح عليه كثيرا مع ماري هاسكال،كما سنرى بقليل من التفصيل في الشق الثاني من هذه المقالة.    

غير أن انكشاف حيثيات ثلاث،ستضفي التباسا على تلك العلاقة الغرامية الطويلة، والاستثنائية بكل المقاييس الجسدية والروحية،التي شكلت دائما نموذجا للحب العذري أو الصوفي يصعب احتذاؤه بالنسبة لثنائي آخر،سوى فيما ندر.

هي حيثيات حين النجاح في تسليط الضوء عليها،تزيل على نحو ما،غشاء الطُّهر والنقاء التامين عن غرام جبران ومي،بحيث تخضعه لميزان التقييم البشري المألوف، المحكوم بالنسبية والارتياب،وتسائل بالدرجة الأولى حقيقة مشاعر جبران خليل جبران،الذي جعل من رسائله العاشقة إلى مي،كما طواها كتابه''الشعلة الزرقاء"،مثلما اتضح، مجرد هرمون محرِّض لخياله يلهمه الإبداع الأدبي والفني،لأن جبران كما هو معلوم،كان أديبا ورساما تشكيليا. 

-المسألة الأولى : لقد عاش جبران في أمريكا علاقات عاطفية عديدة مع نسوة،فاق عددهن العشرات،حسب بعض الروايات،وهن تحديدا : سلطانة تابت، جوزيفين بيبوديه، ميشلين، شارلوت تايلر، ماري قهوجي، ماري خوري، كورين روزفلت، مسز ماسون، بربارة يونغ، حلا الضاهر، ماريتا لوسن،هيلانة غسطيندون الإشارة، ضمن المتتالية إلى اسم التي اختزلت حضورهن جميعا وشغلت'' بالمطلق'' قلب جبران،أقصد دائما ماري هاسكال.

معطى أساسي،دفعت ميخائيل نعيمة الصديق الحميم لجبران،في سيرته عن حياة الأخير، كي يقر بأن صاحب النبي لم يكن حقا نبيا،لمجرد تأليفه كتاب بهذا العنوان،بل كان منغمسا في طيات ملذات جسدية متعددة،فترة كتابته تلك الرسائل المعطرة بعبق السمو إلى مي زيادة.  

- المسألة الثانية :لم يحتفظ جبران ضمن موروثه الفكري برسائل مي،سؤال يدل حسب الراجح عن عدم اهتمامه بها.

- المسألة الثالثة :على امتداد عشرين سنة،فترة زمنية ليست بالتأكيد هينة،لم يبد جبران إبانها أي سعي للقائه مي زيادة،رغم تنقلاته من أمريكا إلى فرنسا غير ما مرة. أيضا،لم يوجه لها أيّ دعوة بأي صيغة من الصيغ،مما يظهر بجلاء،أن جبران فضل في قيرورة نفسه حياة حرة مستقلة تتخلص من كل ارتباط مؤسساتي. ضمن سياق الغرابة نفسه،انتظرت مي اثني عشرة سنة،كي تجهر أخيرا بما تشعر به نحو جبران والفضل في ذلك يعود للورق الذي منحها جرأة البوح.تقول رسالة لها بهذا الخصوص :

''ما معنى هذا الذي أكتبه؟إني لا أعرف ماذا أعني به؟ولكني أعرف أنكَ ''محبوبي''، وإني أخاف الحبكيف أجسر على الإفضاء إليكَ بهذا،وكيف أفرط فيه؟لا أدري،الحمد لله أني أكتبه على ورق ولا أتلفظ به،لأنكَ لو كنت حاضرا بالجسد لهربت خجلا بعد هذا الكلام، واختفيت زمنا طويلا.فما أدعكَ تراني إلا بعد أن تنسى.حتى الكتابة ألوم نفسي عليها أحيانا لأني بها حرة كل هذه الحرية.قل لي ما إذا كنت على ضلال أو هدى فاني أثق بكَ،وأصدق بالبداهة كل ماتقول !وسواء كنت مخطئة فان قلبي يسير إليكَ،وخير مايفعل هو أن يظل حائما حواليكَ يحرسكَ ويحنو عليكَ''.           

تلك حقائق أساسية بخصوص فهم العلاقة الوجدانية بين جبران ومي،ولاشك توجد أخرى،إن تعمق الباحث في سبر أغوار هذا الموضوع وخصص له وقتا كبيرا قصد مزيد من البحث والتقصي،حول خبايا حياة رائدين من رواد فكر النهضة الحديثة بدايات القرن العشرين.

لقد اختارت مي زيادة عشقها لجبران،بالعقل والقلب معا،قلبا وقالبا، متجردين عن أيَ مثيرات ظرفية،قوامها مصالح ذاتية عابرة.امرأة قوية وشفافة،حرة ومستقلة،ذكية ومثقفة بامتياز، كانت تشرف في مصر منذ عام 1913 على صالون فكري، تعقده كل ثلاثاء داخل منزلها، تحضره قامات بلغت السماء طولا على مستوى الإلهام والفصاحة والبلاغة والبيان، يكفي ذكر : أحمد شوقي، طه حسين، عباس محمود العقاد، مصطفى عبد الرزاق، أحمد لطفي السيد، مصطفى الرافعي خليل مطرانأضمروا لها مشاعر تراوحت بين التقدير والإعجاب بل وتبادلت مع بعضهم رسائل خاصة جدا،ملؤها الحب والشوق مثلما جرى الأمر بينها والعقاد إلى درجة كتابته رواية عنوانها"سارة''اختزلت مضامينها اعترافات حبه نحو هذه المرأة الفريدة من نوعها.

بهذا الصدد، أكد مؤلف ''العبقريات"في إحدى لقاءاته،بأن فؤاده لم ينشغل طيلة حياته سوى بسارة ثم مي زيادة،التي منحته السعادة منجذبا إلى نوعية سماتها الذهنية واستقلال شخصيتها. 

بدورها،تماهت مي زيادة بكل انسيابية مع صمت رغباتها المتوارية،فكتبت إلى العقاد مايلي : "إن ما تشعر به نحوي هو نفس ماشعرتُ به نحوك منذ أول رسالة كتبتها إليك وأنت في بلدتك التاريخية أسوان، بل إني خشيت أن أفاتحك بشعورك نحوي منذ زمن بعيد،منذ أول مرة رأيتك فيها بدار جريدة ''المحروسة''.إن الحياء منعني،وقد ظننتُ أن اختلاطي بالزملاء يثير حمية الغضب عندك.والآن عرفت شعورك، وعرفت لماذا لاتميل إلى جبران خليل جبران''.

فعلا،رغم كونها محاطة عن قرب بجاذبية هؤلاء الكبار،فقد حلقت جوارحها بعيدا؛ أبعد من المحيط الأطلسي،تحديدا صوب جبران نتيجة سحر خواطره ومفعول كلماته الأخاذة. كانت زيادة في سن السادسة والعشرين،تحديدا عام 1912،حين اطلاعها على كتاب ''الأجنحة المتكسرة"،العمل الذي نشره جبران خليل جبران في نيويورك،بعثت له رسالة عربونا عن إعجابها بما خطته أنامله وما انطوى عليه أسلوبه.ثم تطور التراسل بينهما إلى أن أفرز لنا ظاهرة ثنائي جبران/مي الشهير،دون أن يخلص بعد كل شيء،غاية انصهاره الروحي بكيفية ملموسة، وظل الأمر مجرد تحليق أثيري للخيال.

سنة1931،توفي جبران،ثم خلال السنة الموالية فقدت مي زيادة والديها،وضع أشعرها بقسوة الوحدة والعزلة،إضافة إلى ظلم الأهل والأقارب،تحديدا أبناء عمومتها،الذين أودعوها مصحة نفسية في لبنان قصد الاستحواذ على إرثها.مصير مأساوي صاحبها غاية وفاتها سنة1941 ،عن سن يناهز الخامسة والخمسين.

ترجمات جلسة حوارية بين ألبرت أينشتاين ورابندرانات طاغور
2021 - 09 - 07

تقديم :    

     يوم 14 يوليو1930،استقبل ألبرت أينشتاين داخل منزله المتواجد في ضاحية برلين، الفيلسوف الهندي والموسيقار،رابندرانات طاغور،المتوج بجائزة نوبل سنة1913

خاض الاثنان في موضوع إحدى النقاشات الأكثر إثارة عبر التاريخ،المتمثل في سبر أغوار العلاقة بين العلم والدين،لكن خاصة ما الواقع ثم الحقيقة؟تصادم الروحانية الهندية وكذا عبقرية أينشتاين تستعرض هذا الورقة جانبا من بعض فقرات الجدال :

مقالات نقدية شعراء عشقوا غاية الموت: نماذج من الشعر العربي(1/6)
2021 - 09 - 02

جميل بن معمر/ بثينة 

أورد الجاحظ في إحدى صفحات كتابه''الرسائل الأدبية''،مايلي :"لم نسمع بعاشق قتله حبُّ غلام.ونحن نعدُّ من الشعراء خاصة الإسلاميين جماعة،منهم جميل بن معمر قتله حبّ بثينة، وكثير قتله حبّ عزة،وعروة قتله حبّ عفراء،ومجنون بن عامر هيَّمته ليلى،وقيس بن ذريح قتلته لبنى،وعبيد الله بن عجلان قتلته هند،والغمر بن ضرار قتلته جمل.هؤلاء من أحصينا ولم نذكر أكثر''(1).

إنها أشهر النماذج الغرامية الخالدة التي بلورتها أنتروبولوجيا الثقافة العربية،بجانب التي أرستها باقي الثقافات الإنسانية الأخرى :روميو وجولييت، كيلوباترة ومارك أنتوني، أبولو ودافني، باريس وهيلين، بيراموس وثيسبي، شاه جيهان وممتاز محل،ماري وبيير كوري، الملكة فيكتوريا والأمير ألبرت، بيتهوفن وتيريزا مالفاتي      

 طبعا،تظل هذه الأمثلة الست،التي حصرها الجاحظ،مجرد نماذج جلية وعلنية تمكن المؤرخون في نهاية المطاف من توثيقها بهذا الخصوص،نظرا لذيوع صيت أطرافها،وتميزهم الجمالي على مستوى سبر أغوار أحاسيسهم والإنصات الشفاف لأصواتهم العميقة جدا، ثم التعبير عن ذلك بلغة الشعر السرمدية،فأبقت تلك الوقائع الشخصية لامتناهية ضمن صيرورة الزمان،وأخرجتها من إطارها الذاتي الخالص كي تأخذ بعدا كونيا،يتأبد ويترسخ؛مابقي الكون والناس والحب والحياة والجمال  

قوم إذا أحبوا ماتوا :

صُنِّف جميل بن معمر بكونه شاعر العشق من الدرجة الأولى،وبامتياز رائد شعر الغزل العذري،نسبة إلى قبيلة عُذرة؛ وادي القرى،التي تميز أفرادها برقة ودماثة فتساموا بروافد حب عفيف؛متجرد عن تلك النوازع العابرة.لذلك،وصفوا بكونهم إذا عشقوا وأغرموا، فقد اختاروا لامحالة مصير الموت التراجيدي،نتيجة إخفاقهم فيما يتعلق بتحقيق تطلعاتهم الغرامية.

هكذا،قيل ذات يوم في حق شباب هذه القبيلة،إنهم''قوم إذا أحبُّوا ماتوا"،جملة وردت على لسان شخص،عندما سُئل عن هويته وانتمائه،حينها صاحت جارية،بعد سماعها لهذا الجواب : ''عُذْري وربّ الكعبة''.

سبب تفسير سر هذا الهوى الذي ينتهي بصاحبه إلى المكابدة والموت حزنا،فقد جاء التأويل أيضا وفق ذات سياق أفق الجواب الأول،من خلال تأكيد أحدهم بأنهم يرون عيونا لايراها غير أهل قبيلة بن عذرة، مما يدل على مستوى الحضور الخُلُقي الذي ميز نساءهم.

أما أخلاقيا أو إيتيقيا ،فحينما ينشغل فؤاد رجل لديهم بعشق امرأة،كان يبادر إلى التغزل بها،وذكر اسمها في أشعاره،حتى إذا ذاع الخبر أسرع وجهة أهلها قصد خطبتها والزواج بها.هنا يكمن لبّ المشكلة،بحيث جرت الأعراف غالبا على أن يبدي والد الحبيبة رفضه التام،نظرا لانكشاف سر ابنته شعريا،بالتالي تداول الألسن لاسمها. في المقابل،يعقد قرانها ،درءا للفضيحة ومحوا للعار،بأول رجل يتقدم لطلبها.

في خضم هذه المحددات المجتمعية،اختمرت وتبلورت إحدى أكبر وأشهر قصص العشق خلال فترة العصر الأموي،تلك التي نسج خيوطها الرفيعة جميل بن معمر وبثينة بنت خبأ. 

نشأ جميل بن معمر وسط البيئة الحجازية لقبيلة قضاعة أو بني عذرة،اتصف بوسامته وحسن مظهره وطول قامته.شخص عذب القول،جمع بين قرض الشعر وروايته  بحيث كان راويا لهُدية بن خشرم.اعتبره شعراء الغزل إمام المحبين،بل بوأه ابن سلام الجمحي صاحب الطبقات،مكان الريادة في هذا المجال على حساب باقي الشعراء.

ربما،اختزل المقطعان التاليان، نوعية مزاج ونفسية شاعر متيَّم من عيِّنة جميل:

يقولون جاهدْ، ياجميلُ، بغزوة       وأيّ جهاد غيرهن أريد

لكل حديث عندهنَّ بشاشة     وكل قتيل بينهنَّ شهيد

السيرة الذاتية
تحميل المزيد
لا مزيد من المشاركات لاظهار