يؤكّد غاستون باشلار باعتباره حالم كلمات بامتياز حقّا، أنّ الأسلاف تلفّظوا كلمة مصباح بكيفية تختلف عمّا تفعله وتبديه شفاه اليوم، ويسرد مثال لفظة لَمْبة التي صارت راهنا تثير الضّحك نتيجة افتقادها تلك الألفة التي منحت الأشياء طيلة أزمنة الماضي صفة التملّك: ''من بوسعه اليوم القول: مصباحي الكهربائيّ مثلما كان يقال فيما مضى: لُمْبَتي؟ آه! كيف بوسعنا الحلم أكثر، في خضمّ انحدار نعوت المِلْكِيَة، نعوت تخبرنا بكيفية قويّة عن رفقة نسجنا خيوطها مع أشيائنا؟ ''(1).
افتقد المصباح الكهربائيّ بشكل عام ينبوع تأمّلات شاردة أثارها دائما الجلوس أمام لَمْبة متوقّدة تبعث شعلة ضوء بفضل الزّيت، فالفعل الميكانيكيّ الجديد الذي يحدث الضّوء بواسطة فعل آليّ يقتصر على تدوير مفتاح، أضاع ذلك الكبرياء المشروع كفاعل لفعل أضاء. نقرة صغيرة تحدث تغيّرات معكوسة من فضاء أسود الى آخر مضيئ؛ واللّعب بكيفية لانهائية لعبتي نعم ولا. استساغة المعطى الميكانيكيّ تجعل الظّاهراتي يخسر زخم فعله، تتلاشى كثافة شعرية اللّحظة التي انطوت على أثر جليّ حينما كان المصباح إنسانيا جدّا.
قبل استفحال سلبيات منظومة التّواصل في صيغتها الرّقمية التي قوّضت جذريا قيما ومبادئ ترعرع في إطارها جيل الزّمان الكلاسيكي، تميّزت العلاقات المجتمعية داخل أحياء المدن العتيقة بلقاءات محض إنسانية، تنوّعت بين العملي الموضوعي وكذا جلسات الودّ الحميمة التي شكّلت آنذاك دون رصد ولاترصّد، لقاءات عفوية مضامينها البوح والكشف والمناجاة وتقاسم صادق لمكنونات الدّواخل، أقرب في لغتنا الحالية إلى جلسات الطبّ النّفسي.
*مقاهي العشايا :
مكانها المنازل، بحيث اعتادت النّساء آنذاك على خلق فجوات استجمام بعد صباح طويل يبدأ غالبا مع أولى ساعات الفجر والشّروع في تحضير الوجبات والقيام بالواجبات التي تقتضيها يوميات البيوت، في خضمّ هيمنة نموذج اجتماعي قبل التغيّرات المعاصرة عماده الأسرة البطريركية الكبيرة تحت قيادة ثنائي الجدّ والجدّة، مما جعل عدد أفراد العائلات غالبا رفيعا يقتضي في المقابل مهامّا لايستهان بها؛ تستغرق وقتا طويلا من عجين وطبخ وتنظيف. أذكر مثلا، بعض عائلات درب حيّنا الثّمانينيات التي كانت تهيّئ يوميا موائد الخبز بكلّ تفاصيله الغذائية المطلوبة.
عرف الصّحراوي عامل الحمّام أو ''الكسّال'' بمثابرته وجدّيته وشغفه اللاّمتناهي بمهنته. ينحدر من منطقة زاكورة، فكان صورة أمينة تماما لمميّزات سلالة المنطقة الصّحراوية، قبل تسيّد جنون ثورة التّهجين الفظيعة النّاجمة عن سلبيات العولمة وفوضاها العارمة ضمن توتاليتارية النّمط والتّنميط بكيفية مطلقة، حيث اختلط عبثا كلّ شيء بأيّ شيء؛ مع نضوب المنبع الأصلي للمجرى المائي.
يعتبر الرّحماني حميدة، أشهر حلاّق ظلّ عالقا بين تلابيب ذاكرتي غاية الآن وقد انقضت سنوات طويلة على معطيات سياق اللّحظة. السّبب بسيط، هو أوّل حلاّق صادفته خلال سنوات صباي وعشت صحبته وداخل دكّانه الأثري، وقائع حافظت باستمرار على أصالة طراوتها وكنه سياقها الأوّلي غير قابلة للاندثار؛ مهما بلغت سنوات العمر.
أستحضر في المقام الأوّل عبر سياق يوميات محلّ الحلاقة، كونه الشّخص الذي عشت تحت وقع صنيع مقصّه عملية الختان المؤلمة، في خضمّ غدر الغواية الشّهيرة التي اختبرها غالبا أفراد جيلي قبل تطوّر الأمور فيما بعد نحو الجراحة الطبّية:
''شوفْ شوفْ ياوْلْدي اْطْوِيرْ!''(ارفع ياصغيري رأسك صوب الأعلى كي تشاهد طائرا)، ثم لطمة مقصّ تأتي بعجلة على شذرة من خشفة القضيب.
بخصوص الحادثة الثّانية،فقد عانيت من آلام ضرس شديد وحينما ألححت على أمّي بضرورة القيام بشيء معيّن لوضع حدّ لهذا الألم الفظيع، وجّهتني دون تردّد صوب الحلاّق الرّحماني الذي استعان بخيط صغير متين يُلَفُّ آنذاك على غلاف قالب السُّكّر المعروف بعلامة النّمر أو الفهد، محاولا اقتلاع الضرس عنوة بواسطة الخيط العجيب لكنّه فشل مع اشتداد صراخي واختناق أنفاسي جرّاء سعيه إلى تثبيت وضعيتي فوق كرسيّ متخلخل توازنه بحكم تآكله نتيجة تواتر عوامل التّعرية، لذلك غرز الرّحماني ركبته على صدري الصّغير حتى يحكم قبضته أكثر كأنّه يحاول ذبح خروف. مع ذلك فشل، حينها التفت بانزعاج ظاهر نحو محفظة أدواته فأخرج ملقطا أسود وهو يردٍّد بتشنّج واضح ''هذا الكُلاّبْ من سيتكفّل باقتلاع ابنة العفريتة''. أوشكت على الاغماء حينما شاهدت وسمعت صدى ضربات الملقط، لكنّي تماسكت بقدرة قادر إلى أن نجح الأمر بعد عبوري الصّراط وعاينت عزرائيل ماثلا عند رأسي. لاأعرف كيف بقيت كفّي منطوية على درهم ونصف ثمن العملية الجراحية وأذناي بالكاد تلتقط بعض شذرات وصيّته بأن أمضمض ماء مغلّى بالشّاي أو الملح طيلة اليوم غاية توقّف النزيف.