الرّحماني حلاّق عصا موسى
2026 - 06 - 02

يعتبر الرّحماني حميدة، أشهر حلاّق ظلّ عالقا بين تلابيب ذاكرتي غاية الآن وقد انقضت سنوات طويلة على معطيات سياق اللّحظة. السّبب بسيط، هو أوّل حلاّق صادفته خلال سنوات صباي وعشت صحبته وداخل دكّانه الأثري، وقائع حافظت باستمرار على أصالة طراوتها وكنه سياقها الأوّلي غير قابلة للاندثار؛ مهما بلغت سنوات العمر.

أستحضر في المقام الأوّل عبر سياق يوميات محلّ الحلاقة، كونه الشّخص الذي عشت تحت وقع صنيع مقصّه عملية الختان المؤلمة، في خضمّ غدر الغواية الشّهيرة التي اختبرها غالبا أفراد جيلي قبل تطوّر الأمور فيما بعد نحو الجراحة الطبّية:

''شوفْ شوفْ ياوْلْدي اْطْوِيرْ!''(ارفع ياصغيري رأسك صوب الأعلى كي تشاهد طائرا)، ثم لطمة مقصّ تأتي بعجلة على شذرة من خشفة القضيب.

بخصوص الحادثة الثّانية،فقد عانيت من آلام ضرس شديد وحينما ألححت على أمّي بضرورة القيام بشيء معيّن لوضع حدّ لهذا الألم الفظيع، وجّهتني دون تردّد صوب الحلاّق الرّحماني الذي استعان بخيط صغير متين يُلَفُّ آنذاك على غلاف قالب السُّكّر المعروف بعلامة النّمر أو الفهد، محاولا اقتلاع الضرس عنوة بواسطة الخيط العجيب لكنّه فشل مع اشتداد صراخي واختناق أنفاسي جرّاء سعيه إلى تثبيت وضعيتي فوق كرسيّ متخلخل توازنه بحكم تآكله نتيجة تواتر عوامل التّعرية، لذلك غرز الرّحماني ركبته على صدري الصّغير حتى يحكم قبضته أكثر كأنّه يحاول ذبح خروف. مع ذلك فشل، حينها التفت بانزعاج ظاهر نحو محفظة أدواته فأخرج ملقطا أسود وهو يردٍّد بتشنّج واضح ''هذا الكُلاّبْ من سيتكفّل باقتلاع ابنة العفريتة''. أوشكت على الاغماء حينما شاهدت وسمعت صدى ضربات الملقط، لكنّي تماسكت بقدرة قادر إلى أن نجح الأمر بعد عبوري الصّراط وعاينت عزرائيل ماثلا عند رأسي. لاأعرف كيف بقيت كفّي منطوية على درهم ونصف ثمن العملية الجراحية وأذناي بالكاد تلتقط بعض شذرات وصيّته بأن أمضمض ماء مغلّى بالشّاي أو الملح طيلة اليوم غاية توقّف النزيف.

ترجمات غاستون باشلار : إدغار بو ومغامرات آرثر غوردون بيم (1/2)
2026 - 05 - 30

من بين الكتّاب القلائل جدا الذين اشتغلوا على أدب التأمّل الشّارد وكذا الفكر الموضوعي، ضمن منطقة مبهمة يتغذّى إبّانها الحلم من أشكال وألوان فعلية، كما تحظى في المقابل الواقعة الجمالية بمناخها الحُلُمي، يعتبر إدغار آلان بو أكثرهم عمقا وذكاء.  

أدرك إدغار بو من خلال عمق الحلم وكذا براعة السّرد، التّوفيق في نصوص أعماله بين خاصّيتين متعارضتين: فنّ الغريب وكذا فنّ الاستدلال. يعرف كيفية الرّبط بين الأفكار الخرافية. حين قراءة إدغار بو وفق التريُّث المطلوب، عبر الاهتمام باحترام ثنائية مقتضى الحلم والسّرد، نتمكّن عندئذ من جعل الذّكاء الأكثر وضوحا يحلم، مثلما ندرك مسألة تحفيز تأمّل شارد غير منتبه كثيرا، ومتقطّع جدا حتى يصبح مغامرة متواصلة. مثلا، إذا توخّينا حقا، ليس فقط قراءة رواية آرثر غوردون بيم بل تأمّلها والحلم معها، سنفهم كيف أنّ سفرا متخيَّلا، انصبّ على موضوعات واقعية، ميّزته في المقابل مختلف الوظائف الحُلُمية لسفر متخيَّل، كيف نحفِّز أحلاما ونحن بصدد الحديث عن الواقع. هكذا، يمسك فكر المغامرة بالقارئ. وحدها القراءة تغدو مغامرة، بفضل هذه الدّعوة الملحّة على السّفر. 

فضلا عن ذلك، ما الوظيفة النّفسية للسّفر؟ يقال بأنّنا نسافر كي نشاهد؛ بيد أنّه كيف يمكننا المشاهدة جيّدا دون الاندهاش ثمّ كيف ننذهل أمام إبداعات الواقع دون تمهيد مسهب لتأمّلات شاردة مألوفة؟ المسافرون الكبار قبل كلّ شيء، بمثابة حالمين كبار ضمن سياق مراهقة طويلة. يقتضي شغف الرّحيل، إدراك كيفية الانفصال عن الحياة اليومية. ينهل تذوّق السّفر من تذوّق التّخيّل. تبدو دائما حتمية هامش من التّخيّل قصد منح اهتمام للمشاهد الجديدة.

من جهة أخرى، بفضل التأمّل الشّارد يتحاور الرّاوي والقارئ بكيفية وثيقة. يصبح كل وصف فاتر جافّا إذا تعلّق الأمر بنقل تجربة جديدة وحدها القوى المتخيِّلة ترصد حقيقة البلدان المجهولة. آلية أدركها إدغار بو فطريا. أيضا، يصبح السّفر كارثيا حسب ريشته. أكثر تحديدا لن يتأخّر القارئ اليقظ كي يكتشف بأنّ مغامرات غوردون بيم تضعنا أمام حادثة ثنائية. انطوت فعلا عدّة صفحات على حادثة غرق إنسانية بجانب حادثة العاصفة، مأساة تكمن في الأشياء، والمشهد، وكذا العالم. عند نهاية العالم - سأظهر ذلك- يصبح الكون نفسه مأساويا. تكشف صفحات الكتاب، بأنّ أبسط تعاطف مع الكون يوحي بعالم قيد التبلور، وعناصر ''منزعجة''على الدّوام. السّكينة تعاسة تختبئ، والحقيقة للعجائبي المتواري، الحقيقة صورة تبقى لفترة طويلة كي تتحايل بشكل أفضل. لكنّ القوى الحُلُمية، المتكتِّمة، المكبوتة، بصدد التّراكم دون أن تفقد شيئا من قوّتها، وتتهيّأ مغامرات الحلم خلف مغامرات الواقع، كما تتحرّك مشاعر مأساة العالم، خلف سرد المغامرات الإنسانية. ينتهي تآمر العناصر الأصمّ إلى خلق عالم مثير تأخذ معه ثانية القوى الكونية الدور الذي نسبته إليها الأساطير البدائية. مثلا، يصبح الغامض نمط كابوس، عنصر تأمّل شارد حميمي، إلهة باطنية تضحك هازئة.

مقالات نقدية بابا، أبي ،''اْبَّا''
2026 - 05 - 27

على منوال ذلك ثالوث أمّي، ماما، ''اْمّي''، تعبيرات لغوية مرتبطة بوضعيات سياقات مجتمعية وانتماءات طبقية ومرجعيات أيديولوجية، كما الوضع اللّغوي عموما. بالتّالي، هي ألفاظ غير بريئة تماما بل تعكس أبعادها تراثا بعينه ورؤية نسقية.

لم يكن جائزا مبدئيا لاسيما خلال الفترة التّاريخية السابقة عن انقلابات العولمة ومابعدها، التلفّظ بكلمتي ''بابا'' أو ''ماما'' داخل فضاء الأحياء الشّعبية التّراثية، فمن شأن ذلك تصنيف المتكلّم سريعا ومن الوهلة الأولى ضمن الجنس البشري الذي ينزع أكثر نحو الجانب الأنثوي مما يؤثِّر بكيفية واضحة على موقع انتمائه إلى المجتمع الذّكوري، عبر مؤشّراته الثّابتة وفق سياق جملة تصوّرات  أهمّها الدّأب على الاختلاط بالشّبّان وانحداره بمسألة الارتباط بالبيت إلى مرتبة دنيا، ثم ضرورة خوضه بعض الشّجارات والمعارك أمام الملأ لتأكيد جدارة الانتماء، وكذا الدّخول في نزاعات مع الأسرة تجبره على قضاء ليالي خارج البيت.

مقالات نقدية عمودية التأمّلات الشّاردة
2026 - 05 - 27

التأمّلات الشّاردة المتّجهة صوب الأعلى، المشرئبّة نحو الارتفاع والقمّة، وتشير الى قوام مختلف الأشياء المستقيمة، وتنحو بنا وجهة العمودية، من خلال الحلم بعيدا في عالم آخر، هي أحلام قد تخلّصت من الأسفل وألغته كي يستدرج بالحالم نحو قمّة تجسّد ملكوت القمم. يدرك، أخيرا، كنه القوى المتعالية ودوافع التّعالي التي ظلّت مكبوتة نتيجة ضرورات الحياة المشتركة والعامة ذات المنحى الأفقي.

جلوس منعزل بجوار لهيب شمعة أو قنديل، يمكِّنه من إدراك حيثيات العمودية المتخيّلة عير التأمّلات الشّاردة، مادامت الشّعلة خطّا عموديا وكائنا حيّا. يستلهم هذا الحالم دروسه وعِبَره من اندفاع الشّعلة نحو الأعلى ثم حتمية النّهوض من جديد: ''إنّها لحظة عظيمة، وكم هي جميلة الشّعلة عندما تحترق جيدا! كم تبدو الحياة ناعمة مع شعلة تتمدّد، وتنسلّ! هكذا تتداخل قيم الحياة والحلم''(1). تكشف الشّعلة عن مختلف مظاهر ودوافع التّعالي.

السيرة الذاتية
تحميل المزيد
لا مزيد من المشاركات لاظهار