مقالات سياسية ! لم يعد للبشرية من ملاذ للحياة غير قبو ذاكرتها
2021 - 10 - 11

''في السجن تصبح الذاكرة خليلاً وعدواً في آن واحدا''(نيلسون مانديلا)

''إما أن الذاكرة خداعة كاذبة تختلق ما لاأصل له. وإما أن الدنيا تتغير بقوة لا ترحم الذكريات''(نجيب محفوظ)

لقد تساقطت كل أوراق التوت،كي تكشف بجلاء واقع السجن الكبير الذي حشرت دخلت البشرية بقسوة،كما تساق بهائم الذبيحة وجهة المسالخ،وقد اختبرت حاليا هذه التجربة القاسية جدا والعبثية وفق مختلف الدلالات،شعوب الجهة المتحضرة مثل القابعة خلف الشمس.هكذا، هيمنت باسم دواعي طوارئ حرب الوباء واستعادة الرهان على''حياة طبيعة'' ! توتاليتارية شاملة عنيفة؛ماديا ورمزيا،تآكل معها بسرعة غير منتظرة حيز الحقوق المدنية والشخصية،التي ناضلت في سبيلها البشرية لقرون عديدة؛وضحت بأرواحها فداء لبلورتها على أرض الواقع،كي تستمتع بالحياة  مثلما يجدر أن تكون حياة آدمية.

مقالات سياسية حياة،تمادت في الكشف عن خساراتها
2021 - 10 - 09

''ماجدوى أن تربح العالم وتخسر نفسك''(المسيح)

استمدت الحياة باستمرار حمولة معناها تبعا لجدليات الربح والخسارة،بناء على السؤال الأنطولوجي المؤرق: ما الأشياء التي حققتها على امتداد سنوات عمري وأشعرتني؛ فعلا غاية الآن بقيمة مضافة،ثم على العكس من ذلك ماهي حصيلة خساراتي؟

معادلة تلامس استفسارات عدة،تمس ثبات لعبة المفاهيم الجارية على الألسن : ما الحياة؟مامعنى أن أكون ضمن سياق الهوية الجاهزة؟لماذا يلزم تقويم معنى الحياة بهذه الكيفية أو تلك؛دون غيرهما؟ما المقصود بحياة ظافرة مقابل أخرى خاوية الوفاض؟ما الخلاصة التي تفوض لك قول ذلك وأنت واع بكل حيثيات ماجرى؟

باستثناء مايحدث يوميا ضمن سيرورة تأملات صفوة رعاة الفكر،المدققين بشجاعة في تجليات مصيرها الوجودي دون سلطة مقدمات جاهزة ولا نهايات ماثلة،تنكب في المقابل أغلبية الناس على طَبَق حياتها بكيفية منقادة،دون أدنى ارتياب أو مجرد ترك مساحة شاغرة؛ ولو كانت ضئيلة جدا،بهدف إحداث تلك الفجوة التي يتسرب عبرها نور وعي مختلف،وكأن لسان حالهم مستمر في إلحاحه على شعار،أن الحياة هي الحياة،ولاداعي للمزايدة.

غير أنه،إبان تجليات المواقف الحياتية الصادمة؛المفجعة أساسا،يحدث انقلاب بل خلخلة عنيفة في بنية تمثلات الفرد حول بداهات الحياة مثلما اعتادها،وربما خلالها تتحقق تلك الوقفة التي يهتز معها نسق ملكوت اليقينيات المتراكمة غاية تلك اللحظة.بالطبع،مضمون هذه اللحظة،لايكون دائما وقعها خفيفا على جميع الرؤوس،بل شديدا،مثلما لاتأخذ كذلك أبعادها الوجودية وبالكيفية التي ينبغي لها عند الجميع.تفسير التباين،مصدره مرجعيات الفرد وكذا طبيعة تصوره للأحداث.

مقالات نقدية غراميات جبران خليل جبران : مي زيادة ،ماري هاسكال.. ونساء أخريات.
2021 - 09 - 19

جبران / مي زيادة :

اشتهر الجانب العاطفي لدى جبران خليل جبران،من خلال سياقات معطيات علاقته بالأديبة مي زيادة.أمر، تجلى واضحا؛عبر تجليات رسائلهما المتواصلة لمدة عشرين سنة، دون أن يلتقيا قط،للمفارقة العجيبة!ولو لمرة واحدة على أرض الواقع.أيضا،انتظرت مي زيادة اثنتي عشر سنة بالتمام والكمال،كي تعترف أخيرا لجبران بأنها تحبه،وتسكنها رغبة دفينة أن يطلبها للزواج،سؤال تجنبه جبران على الأقل مع مي،غاية موته. في حين،ألح عليه كثيرا مع ماري هاسكال،كما سنرى بقليل من التفصيل في الشق الثاني من هذه المقالة.    

غير أن انكشاف حيثيات ثلاث،ستضفي التباسا على تلك العلاقة الغرامية الطويلة، والاستثنائية بكل المقاييس الجسدية والروحية،التي شكلت دائما نموذجا للحب العذري أو الصوفي يصعب احتذاؤه بالنسبة لثنائي آخر،سوى فيما ندر.

هي حيثيات حين النجاح في تسليط الضوء عليها،تزيل على نحو ما،غشاء الطُّهر والنقاء التامين عن غرام جبران ومي،بحيث تخضعه لميزان التقييم البشري المألوف، المحكوم بالنسبية والارتياب،وتسائل بالدرجة الأولى حقيقة مشاعر جبران خليل جبران،الذي جعل من رسائله العاشقة إلى مي،كما طواها كتابه''الشعلة الزرقاء"،مثلما اتضح، مجرد هرمون محرِّض لخياله يلهمه الإبداع الأدبي والفني،لأن جبران كما هو معلوم،كان أديبا ورساما تشكيليا. 

-المسألة الأولى : لقد عاش جبران في أمريكا علاقات عاطفية عديدة مع نسوة،فاق عددهن العشرات،حسب بعض الروايات،وهن تحديدا : سلطانة تابت، جوزيفين بيبوديه، ميشلين، شارلوت تايلر، ماري قهوجي، ماري خوري، كورين روزفلت، مسز ماسون، بربارة يونغ، حلا الضاهر، ماريتا لوسن،هيلانة غسطيندون الإشارة، ضمن المتتالية إلى اسم التي اختزلت حضورهن جميعا وشغلت'' بالمطلق'' قلب جبران،أقصد دائما ماري هاسكال.

معطى أساسي،دفعت ميخائيل نعيمة الصديق الحميم لجبران،في سيرته عن حياة الأخير، كي يقر بأن صاحب النبي لم يكن حقا نبيا،لمجرد تأليفه كتاب بهذا العنوان،بل كان منغمسا في طيات ملذات جسدية متعددة،فترة كتابته تلك الرسائل المعطرة بعبق السمو إلى مي زيادة.  

- المسألة الثانية :لم يحتفظ جبران ضمن موروثه الفكري برسائل مي،سؤال يدل حسب الراجح عن عدم اهتمامه بها.

- المسألة الثالثة :على امتداد عشرين سنة،فترة زمنية ليست بالتأكيد هينة،لم يبد جبران إبانها أي سعي للقائه مي زيادة،رغم تنقلاته من أمريكا إلى فرنسا غير ما مرة. أيضا،لم يوجه لها أيّ دعوة بأي صيغة من الصيغ،مما يظهر بجلاء،أن جبران فضل في قيرورة نفسه حياة حرة مستقلة تتخلص من كل ارتباط مؤسساتي. ضمن سياق الغرابة نفسه،انتظرت مي اثني عشرة سنة،كي تجهر أخيرا بما تشعر به نحو جبران والفضل في ذلك يعود للورق الذي منحها جرأة البوح.تقول رسالة لها بهذا الخصوص :

''ما معنى هذا الذي أكتبه؟إني لا أعرف ماذا أعني به؟ولكني أعرف أنكَ ''محبوبي''، وإني أخاف الحبكيف أجسر على الإفضاء إليكَ بهذا،وكيف أفرط فيه؟لا أدري،الحمد لله أني أكتبه على ورق ولا أتلفظ به،لأنكَ لو كنت حاضرا بالجسد لهربت خجلا بعد هذا الكلام، واختفيت زمنا طويلا.فما أدعكَ تراني إلا بعد أن تنسى.حتى الكتابة ألوم نفسي عليها أحيانا لأني بها حرة كل هذه الحرية.قل لي ما إذا كنت على ضلال أو هدى فاني أثق بكَ،وأصدق بالبداهة كل ماتقول !وسواء كنت مخطئة فان قلبي يسير إليكَ،وخير مايفعل هو أن يظل حائما حواليكَ يحرسكَ ويحنو عليكَ''.           

تلك حقائق أساسية بخصوص فهم العلاقة الوجدانية بين جبران ومي،ولاشك توجد أخرى،إن تعمق الباحث في سبر أغوار هذا الموضوع وخصص له وقتا كبيرا قصد مزيد من البحث والتقصي،حول خبايا حياة رائدين من رواد فكر النهضة الحديثة بدايات القرن العشرين.

لقد اختارت مي زيادة عشقها لجبران،بالعقل والقلب معا،قلبا وقالبا، متجردين عن أيَ مثيرات ظرفية،قوامها مصالح ذاتية عابرة.امرأة قوية وشفافة،حرة ومستقلة،ذكية ومثقفة بامتياز، كانت تشرف في مصر منذ عام 1913 على صالون فكري، تعقده كل ثلاثاء داخل منزلها، تحضره قامات بلغت السماء طولا على مستوى الإلهام والفصاحة والبلاغة والبيان، يكفي ذكر : أحمد شوقي، طه حسين، عباس محمود العقاد، مصطفى عبد الرزاق، أحمد لطفي السيد، مصطفى الرافعي خليل مطرانأضمروا لها مشاعر تراوحت بين التقدير والإعجاب بل وتبادلت مع بعضهم رسائل خاصة جدا،ملؤها الحب والشوق مثلما جرى الأمر بينها والعقاد إلى درجة كتابته رواية عنوانها"سارة''اختزلت مضامينها اعترافات حبه نحو هذه المرأة الفريدة من نوعها.

بهذا الصدد، أكد مؤلف ''العبقريات"في إحدى لقاءاته،بأن فؤاده لم ينشغل طيلة حياته سوى بسارة ثم مي زيادة،التي منحته السعادة منجذبا إلى نوعية سماتها الذهنية واستقلال شخصيتها. 

بدورها،تماهت مي زيادة بكل انسيابية مع صمت رغباتها المتوارية،فكتبت إلى العقاد مايلي : "إن ما تشعر به نحوي هو نفس ماشعرتُ به نحوك منذ أول رسالة كتبتها إليك وأنت في بلدتك التاريخية أسوان، بل إني خشيت أن أفاتحك بشعورك نحوي منذ زمن بعيد،منذ أول مرة رأيتك فيها بدار جريدة ''المحروسة''.إن الحياء منعني،وقد ظننتُ أن اختلاطي بالزملاء يثير حمية الغضب عندك.والآن عرفت شعورك، وعرفت لماذا لاتميل إلى جبران خليل جبران''.

فعلا،رغم كونها محاطة عن قرب بجاذبية هؤلاء الكبار،فقد حلقت جوارحها بعيدا؛ أبعد من المحيط الأطلسي،تحديدا صوب جبران نتيجة سحر خواطره ومفعول كلماته الأخاذة. كانت زيادة في سن السادسة والعشرين،تحديدا عام 1912،حين اطلاعها على كتاب ''الأجنحة المتكسرة"،العمل الذي نشره جبران خليل جبران في نيويورك،بعثت له رسالة عربونا عن إعجابها بما خطته أنامله وما انطوى عليه أسلوبه.ثم تطور التراسل بينهما إلى أن أفرز لنا ظاهرة ثنائي جبران/مي الشهير،دون أن يخلص بعد كل شيء،غاية انصهاره الروحي بكيفية ملموسة، وظل الأمر مجرد تحليق أثيري للخيال.

سنة1931،توفي جبران،ثم خلال السنة الموالية فقدت مي زيادة والديها،وضع أشعرها بقسوة الوحدة والعزلة،إضافة إلى ظلم الأهل والأقارب،تحديدا أبناء عمومتها،الذين أودعوها مصحة نفسية في لبنان قصد الاستحواذ على إرثها.مصير مأساوي صاحبها غاية وفاتها سنة1941 ،عن سن يناهز الخامسة والخمسين.

مقالات نقدية شعراء عشقوا غاية الموت: نماذج من الشعر العربي(1/6)
2021 - 09 - 02

جميل بن معمر/ بثينة 

أورد الجاحظ في إحدى صفحات كتابه''الرسائل الأدبية''،مايلي :"لم نسمع بعاشق قتله حبُّ غلام.ونحن نعدُّ من الشعراء خاصة الإسلاميين جماعة،منهم جميل بن معمر قتله حبّ بثينة، وكثير قتله حبّ عزة،وعروة قتله حبّ عفراء،ومجنون بن عامر هيَّمته ليلى،وقيس بن ذريح قتلته لبنى،وعبيد الله بن عجلان قتلته هند،والغمر بن ضرار قتلته جمل.هؤلاء من أحصينا ولم نذكر أكثر''(1).

إنها أشهر النماذج الغرامية الخالدة التي بلورتها أنتروبولوجيا الثقافة العربية،بجانب التي أرستها باقي الثقافات الإنسانية الأخرى :روميو وجولييت، كيلوباترة ومارك أنتوني، أبولو ودافني، باريس وهيلين، بيراموس وثيسبي، شاه جيهان وممتاز محل،ماري وبيير كوري، الملكة فيكتوريا والأمير ألبرت، بيتهوفن وتيريزا مالفاتي      

 طبعا،تظل هذه الأمثلة الست،التي حصرها الجاحظ،مجرد نماذج جلية وعلنية تمكن المؤرخون في نهاية المطاف من توثيقها بهذا الخصوص،نظرا لذيوع صيت أطرافها،وتميزهم الجمالي على مستوى سبر أغوار أحاسيسهم والإنصات الشفاف لأصواتهم العميقة جدا، ثم التعبير عن ذلك بلغة الشعر السرمدية،فأبقت تلك الوقائع الشخصية لامتناهية ضمن صيرورة الزمان،وأخرجتها من إطارها الذاتي الخالص كي تأخذ بعدا كونيا،يتأبد ويترسخ؛مابقي الكون والناس والحب والحياة والجمال  

قوم إذا أحبوا ماتوا :

صُنِّف جميل بن معمر بكونه شاعر العشق من الدرجة الأولى،وبامتياز رائد شعر الغزل العذري،نسبة إلى قبيلة عُذرة؛ وادي القرى،التي تميز أفرادها برقة ودماثة فتساموا بروافد حب عفيف؛متجرد عن تلك النوازع العابرة.لذلك،وصفوا بكونهم إذا عشقوا وأغرموا، فقد اختاروا لامحالة مصير الموت التراجيدي،نتيجة إخفاقهم فيما يتعلق بتحقيق تطلعاتهم الغرامية.

هكذا،قيل ذات يوم في حق شباب هذه القبيلة،إنهم''قوم إذا أحبُّوا ماتوا"،جملة وردت على لسان شخص،عندما سُئل عن هويته وانتمائه،حينها صاحت جارية،بعد سماعها لهذا الجواب : ''عُذْري وربّ الكعبة''.

سبب تفسير سر هذا الهوى الذي ينتهي بصاحبه إلى المكابدة والموت حزنا،فقد جاء التأويل أيضا وفق ذات سياق أفق الجواب الأول،من خلال تأكيد أحدهم بأنهم يرون عيونا لايراها غير أهل قبيلة بن عذرة، مما يدل على مستوى الحضور الخُلُقي الذي ميز نساءهم.

أما أخلاقيا أو إيتيقيا ،فحينما ينشغل فؤاد رجل لديهم بعشق امرأة،كان يبادر إلى التغزل بها،وذكر اسمها في أشعاره،حتى إذا ذاع الخبر أسرع وجهة أهلها قصد خطبتها والزواج بها.هنا يكمن لبّ المشكلة،بحيث جرت الأعراف غالبا على أن يبدي والد الحبيبة رفضه التام،نظرا لانكشاف سر ابنته شعريا،بالتالي تداول الألسن لاسمها. في المقابل،يعقد قرانها ،درءا للفضيحة ومحوا للعار،بأول رجل يتقدم لطلبها.

في خضم هذه المحددات المجتمعية،اختمرت وتبلورت إحدى أكبر وأشهر قصص العشق خلال فترة العصر الأموي،تلك التي نسج خيوطها الرفيعة جميل بن معمر وبثينة بنت خبأ. 

نشأ جميل بن معمر وسط البيئة الحجازية لقبيلة قضاعة أو بني عذرة،اتصف بوسامته وحسن مظهره وطول قامته.شخص عذب القول،جمع بين قرض الشعر وروايته  بحيث كان راويا لهُدية بن خشرم.اعتبره شعراء الغزل إمام المحبين،بل بوأه ابن سلام الجمحي صاحب الطبقات،مكان الريادة في هذا المجال على حساب باقي الشعراء.

ربما،اختزل المقطعان التاليان، نوعية مزاج ونفسية شاعر متيَّم من عيِّنة جميل:

يقولون جاهدْ، ياجميلُ، بغزوة       وأيّ جهاد غيرهن أريد

لكل حديث عندهنَّ بشاشة     وكل قتيل بينهنَّ شهيد

تحميل المزيد
لا مزيد من المشاركات لاظهار