ترجمات ستيفاني غوناند : استعادة تراث مدام دي ستايل
2026 - 10 - 14

تقديم : صدر كتاب ستيفاني غوناند عن مدام  دي ستايل :''جيرمين دو ستايل،ثمن الحريّة''(منشورات بيران،2026)،بحيث تقترح إعادة قراءة مسار فكر دي ستايل كوجه بارز على مستوى الحياة الفكرية الأوروبية.   

ستيفاني غوناند أستاذة الأدب الفرنسي للقرن الثّامن عشر في جامعة باريس،وإحدى قدامى طالبات المدرسة العليا للأساتذة في فونتيناي ومبرّزة في الآداب الحديثة، لكنّها عرفت أساسا بتخصّصها في تراث شخصيتين هما: جيرمين دو ستايل و ماركيز دو ساد.

هكذا أنجزت حول ماركيز دي ساد عملا سيريا صدر عن غاليمار سنة (2018)، ثمّ دراسات عن مدام دي ستايل،منها : ''الغرفة السوداء،جيرمين دو ستايل والفكر السلبي''(2017) ، ''أنس الليل'' (2022) ،''أبجدية جيرمين دي ستايل''(2023).

ترأّست خلال سنوات (2015-2024)''هيئة الأبحاث في دي ستايل'' وأشرفت على منشورات انصبت مضامينها على كتابات دي ستايل.

س- ولدت جيرمين دي ستايل سنة 1766، جسّدت وحدها صورة الكاتبة، والمثقّفة والمسؤولة عن صالون أدبي خلال القرن الثّامن عشر، وبمثابة رمز مهمّ من رموز الرّومانسية والفكر اللّيبرالي بحيث يستمرّ أثرها وانخراطها السّياسي في ممارسة سحرهما. راكمتِ منذ خمسة عشر سنة أبحاثا انصبّت على تراث دي ستايل : فما الذي استمالكِ أكثر بهذا الخصوص؟ وما المكان الذي تشغله دي ستايل ضمن تطوّركِ الذّهني؟

ج-عندما اكتشفتُ أعمال دي ستايل 2010، انجذبتُ منذ الوهلة الأولى لقوّة تحليلها : امرأة خبرت وقائع سياسية مثيرة وأحداثا قوية دون التّنازل قط عن تمرين فكرها.بالعكس، سعت إلى الاستدلال على كلّ شيء، حتى وإن عملت مبدئيا منظومة القائم على كبح تأويلاتها: الخسارات، الحاضر، الألم، الأسرة،ثمّ مشاعرها الخاصة أو دلالة كونها فرنسية. استأثر باهتمامي أكثر إلحاح تبصّرها، فازداد تطلّعي نحو تراث مسار ''اشتغل عند العتبات'' : كتبت مدام دي ستايل مؤلّفاتها وعاشت عند حدود عدّة دول، وأجناس متباينة، ونماذج مختلفة عَبَرتها  بانتظام، مما جعلها خارج إطار التّصنيف. أعجبتُ منذ البداية بشجاعتها الفكرية وجرأتها على الانعتاق. تزامن هذا الاكتشاف مع بلوغي حقبة النّضج على المستوى الشّخصي وكذا الحياة المهنية، لذلك أرست حميما قيم مدام دي ستايل،وأفكارها بل وكلماتها نفسها معالم بناء تكويني. أمدّتني كتبها بثراء، وأضاءتني غاية هيكلة مجمل فكري ووجودي، وإن اجتهدت على مستوى مراعاة مسافة نقدية نحو دي ستايل.

س-ماهي بحسبكِ، الأفكار الكبرى وكذا القيم التي دافعت عنها جيرمين دوستايل؟ وإذا اقتضى المقام استعادة أحد نصوصها، فأيّها تختارين ولماذا؟

ج-تدعو نصوص دي ستايل إلى الحرّية، صفاء الذّهن والشّجاعة. بل تمثِّل بالنّسبة إليّ مختبر استبصار: يلزم الإبقاء على العيون مفتوحة ونستسيغ بأنّنا لسنا كائنات عقل، بل المشاعر قصد النّجاة من أشكال الاستلاب التي تهدّدنا عبر مختلف الجهات من خلال مؤسّساتنا السّياسية، عائلاتنا، قنواتنا الاجتماعية، علاقاتنا الثّنائية. يملي الاهتمام، الطّموح، الأنانية أغلب تصرّفاتنا ويستدعي الأمر العيش أوّلا بطريقة حرّة كي ندرك بوعي أوجه قصورنا. بمجرد استساغة معطيات هاته الهشاشة - تجرح باستمرار كبرياءنا، وتسليط الضّوء عليها يثير هجومات أو رفضا- يمكننا رسم حافة ضيقة، نمضي وفقه قدما بين عثرات فردية وجماعية تهدّدنا بالتّحطيم.تعتبر حرية دي ستايل في الوقت نفسه رفيعة وهشّة: توازن محفوف بالمخاطر يتطلّب يقظة خلال كل لحظة. أستحضر من بين مختلف نصوص مدام دي ستايل اللاّفتة للنّظر، كتابها: ''تأثير الانفعالات على سعادة الأفراد والأوطان''(1796) الذي ألّفته خلال فترة لم تتجاوز سنة واحدة بعد الرّعب النّاجم عن سياق الثّورة،تضع أطروحات الكتاب دون تساهل أمام المعاصرين مِرآة بخصوص الانفعالات التي تنغمس بهم في الشّقاء دائما باعتبارهم كائنات بشرية وكذا مواطني جمهورية فتيّة. نستشفّ من خلال ذلك بصيرة مدام دي ستايل، فلسفته الأخلاقية، مفهومها الحديث للذات، المهمومة بشكل واضح، المتمرّدة عن كل مرجعية يقينية أو الانقياد خلف مشاعر مندفعة.

س-كيف أمكن جيرمين دي ستايل التّوفيق بين الحرّية الشخصية والالتزام السّياسي،خلال حقبة لم تترك غير مكان صغير جدّا للمرأة؟

ج-استفادت دي ستايل من وضع غير نمطي : فقد كانت الفتاة الوحيدة لعائلة نيكر،هكذا عاينت منذ شبابها شخصيات تنتمي لأعلى دوائر السلطة.بدت شغوفة أكثر بالوظائف الوزارية لأبيها،بحيث لم تنصرف خلال تربيتها،عن عالم السياسة.استلهمت من أمّها،سوزان نيكر،جملة مبادئ ضمن وجهة مغايرة عن التي طوّرها روسو في كتابه''إيميل''،بمعنى الاطّلاع على مجالات معرفية متعدّدة،ومجالات أقلّ نسائية خلال تلك الحقبة كما الشّأن مع السّياسة.هذا مايميّز  فرادة طفولة وكذا وضع أرسيا سبيلا لمدام دي ستايل كي تشغل موقعا طبيعيا ضمن المشهد السّياسي،وإن افتقد ذلك لأيّ شرعية مجتمعية.مدام دي ستايل،وفق مفاهيم أخرى منحت نفسها حقّ التّفكير في الحياة العمومية ورهانات الدّيمقراطية الدّستورية أو الاجتماعية،بينما يهاجم الفضاء المجتمعي والإعلامي بعنف الاقتحام أو الخلل الشّاذ الذي جسّدته.هكذا حظيت دي ستايل بوضع موقعا لم يمنحه قط إيّها أيّ شخص.

س-هل يمكن القول بأنّ مدام دي ستايل جعلت من الجرأة نهجا سلوكيا وتقريبا ضرورة وجودية؟

ج-نعم يخبرنا كلّ شيء في حياة وكتابات دي ستايل،بما يلي :''يلزم التّجَرّؤ''. التّجَرّؤ في مواجهة أشكال الرّقابة العائلية، الأحكام القَبْلية، الأعراف، لكن يلزم الانتباه: تقتضي الجرأة غالبا ثمنا مُكَلِّفا على مستوى السّعادة، بل والطّمأنينة. تبرير جعل دي ستايل تضع دائما بجانب دعوتها التحفيزية لاسيما إلى النّساء قصد التحرّر، تنبيهها القائل: هذه وجهتي، وقد بادرت بشجاعة نحو استتباب الخطوة الأولى. إذا قررتنّ اقتفاء أثري، فتذكرنّ بأنّ السّفر صعب جدا، مؤلم، وهناك مجازفة بعدم العودة.

س-نعلم جميعا معارضة جيرمين دي ستايل للإمبراطور نابليون. مامصدر هذا الصّراع: اختلاف سياسي، تصوّر للحرّية، علاقة مع السّلطة؟

ج-طبعا يعتبر الوازع السّياسي، باعثا مبدئيا للصّراع بين دي ستايل وبونبارت: بالنسبة لدي ستايل،فقد خان بونبارت الحريّة وإرث الثّورة الفرنسية بل الأسوأ من ذلك أرسى نظام حكم غير أخلاقي استند على التّرهيب،التّمويه والمصلحة. تواري المصلحة العامّة أمام زحف الأنانية، تحديدا سنة 1804 عندما أسّس نابليون محكمة عليا وبالتّالي سيادة إذعان خطير متخلّف عن العصر.جريمتان سياسيتان، جعلتا الإمبراطور مذنبا في نظر دي ستايل :الاستبداد والاستخفاف. ماتسمّيه تقييمات إشارة السّياسة الحديثة ب''الميكيافيلية''.

س-انتهت دو ستايل إلى رحلات المنفى نتيجة معارضتها لنابليون.ماالوجهة التي أخذها فكره في خضمّ تلك التّجربة؟هل شكّلت فقط تجربة،أو أيضا مصدرا للحريّة الذّهنية؟

ج-استمرّت سنوات منفى دي ستايل إحدى عشر سنة (1803- 1814). تدرّج بالتّأكيد هذا العقاب عبر مستويات، مُنِعت بداية من البقاء في باريس، ثمّ انتقل القرار كي يشمل بقاءها على امتداد كلّ التّراب الفرنسي. لازمها أوّلا وجع: الابتعاد عن أبيها وكذا فضاءات عزيزة عليها وبدا الوضع بمثابة محنة حقيقية عاشتها دي ستايل،التي تكره السّفر وظلّت امرأة جذور. خلال أسفارها تلك،حينما قرّرت البحث في الجانب الآخر من الحدود عن ماتفتقده فرنسا تحت سلطة نابليون،أي الحرية والفكر النّقدي وكذا الحوار، فقد توخّت انتزاع ذاتها من آلامها والانخراط في الاختلاف. دشّن اكتشافها ألمانيا سنة 1804،مرحلة مفصلية خلال مسارها الفكري. بعد سنة انتقلت إلى إيطاليا،فصارت رؤاها أكثر ثراء،ثمّ عبرت أوروبا،غاية روسيا والسويد عام 1812، فاكتشفت دو ستايل ثراء شمال أوروبا. صار هذا التّجوال وكذا إعادة النّظر في القوانين الفرنسية، مسألتين ضروريتين لم يعد قط بوسع دو ستايل الاستغناء عنهما: سواء فكريا -أنجزت دو ستايل أهمّ فصول كتاباتها خلال مرحلة المنفى-ولا نفسيا،بل وجوديا بحيث جعلها المنفى''أوروبية'' أكثر من كونها فرنسية. 

س-ما الصّعوبات التي واجهتكِ وأنتِ بصدد تدبيج هاته السيرة الذاتية لجيرمين دي ستايل؟

ج-يجيب سؤال كتابة سيرة ذاتية على حلم إضافة رؤية جديدة إلى حدّ ما عن حياة الشّخصية :سواء باستنطاق أرشيفات تكتشف لأوّل مرّة،أو بالاعتماد على منظور مختلف. والحال أنّ حياة دي ستايل طرحت أمامي صعوبتين: لقد تحدّثت دي ستايل كثيرا عن طفولتها وكذا شبابها،هكذا تراكمت بين يديّ عدّة نصوص سردية وكذا جملة وثائق حول دي ستايل. لقد أدركت دوستايل بسرعة قابلية حياتها للجمود نتيجة قبضة قوالب نمطية : شهرة أبويها، شكلها الذّميم، ثم معارضتها نابليون.هكذا توارت حياتها تلك خلف الأساطير والكلمات. إذن، سعيتُ بكلّ فؤادي إلى إزالة طابع التحجّر عن وجودها : انتزاع دي ستايل من روايات المعطيات السابقة كي أعيد لها طراوتها وإن استطعت مكمن حقيقتها.منظور نسائي يتجنّب أيضا بعض عثرات حيوات النّساء : مثَّلَت دو ستايل خلال كل حقبة،هدفا لهجومات عنيفة تكره النّساء،بالتّالي ينبغي أن ننظر حاليا بعين الاعتبار سواء بحياد أو تعاطف إلى تحدّيات اختياراتها الاستثنائية.

س-ماهي الخلاصة التي انتهيتِ إليها على ضوء مستجدّ سيرتكِ حول مدام دي ستايل؟

ج- توخّيت أن أجعل من دي ستايل ذاتا أكثر من موضوع.أفق يفترض الابتعاد عن السّرديات التّقليدية قصد الاصغاء إلى كلماتها الخاصة واكتشاف تحليلاتها الشّخصية. جدير بدي ستايل، عبر صفحات كتابي،ليس فقط أن تشغل موقع المركز،بل الوعي الذي من خلاله يجري أمامنا التّاريخ والوقائع. يقتضي بشكل ملموس،هذا الاختيار تمييز كلماتها، عباراتها وكذا فهمها، بالعمل على التّفكيك الكلّي للتّأويلات الجاهزة التي تقيّد هذا الوجود.لقد شكّل التّبئير الحميمي وتقويض القوالب رهانين انطلقتُ منهما كي أجعل هذه المرأة المذهلة تعيش تحت أنظارنا.

س-لماذا اليوم إعادة قراءة جيرمين دي ستايل؟ماذا بوسع كتاباتها تقديمه للأجيال الشابّة؟

ج-قراءة دي ستايل اليوم ضرورة ليس فقط على مستوى تحليلها السياسي الذي يسلط الأضواء على تحدّيات الدّيمقراطية، بل وضعها المعتدل، ضمن وجهة معاكسة لأشكال التطرّف،يساعد أيضا على فهم التّوتّرات التي تمزّق مجتمعنا.قدّمت دو ستايل أيضا مِرآة نسائية متداخلة لاسيما بالنّسبة لمن يفكّرن ويفكّرون في عبء الأعراف وكذا الأحكام والتصوّرات الجاهزة. أخيرا، يذكّرنا بالخطر مديح دي ستايل لوجهات الأماكن الأخرى وكذا الثّقافات المتعدّدة، لكن أيضا السّلطة التّضليلية للأسوار التي توطّد بين المجموعات البشرية وكذا الأوطان.

* مرجع الحوار :   

Napoleon.org : Mai 2026

أخبار سعيد بوخليط : يصدر سيرته الذاتية ''ربّما مررتُ من هنا .. ''
2026 - 09 - 16

أصدرت مؤسسة عالم الكتب الحديث للنشر والتوزيع الأردنية،عملا سيريا للباحث سعيد بوخليط.

سيرة ذاتية قاربت ثلاثمائة واثنين وثمانين صفحة،توخّت تحقيق عملية انفتاح نصّي  زاوجت بين انسيابية البوح الشّخصي الخالص وتجريدية رؤية سرد تأمّلي ضمن حيثيات السّيرة لموضوعات الموت والحياة والزواج والانجاب والآخر وثقافات الأجيال والانتحار والجسد والعزلة والحرية،ثمّ التّوثيق التّاريخي الموضوعي خلال الآن نفسه لجوانب معنيّة همّت الوضع السوسيو-ثقافي والسِّياسي في المغرب،منذ  أواخر السّبعينيات غاية سياق تداعيات ربيع الشعوب سنة 2011،مرورا بقسوة سنوات الثّمانينيات اجتماعيا ومناخيا،لبنات التقويم الهيكلي، انتفاضة مراكش (19يناير 1984)،فصول المدرسة العمومية، سيميائيات مدرّسي تلك الحقبة،الوضع الثّقافي والإعلامي سنوات التّسعينيات، الصّحافة الورقية، الحياة الحزبية، النّضال السياسي، الجمعيات الثّقافية، الاتّحاد الوطني لطلبة المغرب، حرب الخليج، الجامعة وخباياها، العطالة، سنوات الدّراسة الجامعية، مستوى الدّرس الجامعي، بيروقراطية رسالة الدكتوراه وحروبها العبثية، يوميات العمل في الصيدلية، سوريالية المباريات المهنية، مهنة التّعليم، الأصدقاء، الحبّ، العزلة…،موضوعات وأخرى رواها سعيد بوخليط على امتداد فقرات اعترافات سيرته غير المكتملة طبعا،طيلة خمسة عقود ونيف. 

قراءات في كتب رسائل عبد الرحمن منيف ومروان قصاب باشي(2/1)
2026 - 09 - 08

يعتبر عبد الرّحمن منيف أقرب الرّوائيين العرب إلى قلبي،رغم أنّي صراحة لست من عشّاق متون الرّواية فما بالك الإدمان، لكن كلّما اشتقت ثانية وفكّرت في العودة إلى الاستماع بنصٍّ روائيّ ينزع ذهني سريعا ودون تردّد نحو كتابات عبد الرّحمان منيف، وبعده يأتي صنع الله إبراهيم.   

يعود تاريخ اكتشافي لنصوص هذين الكاتبين اليساريين التقدّميين المتشبّعين حدّ النّخاع بقيم التحرّر والدّيمقراطية وبناء الانسان العربي على جميع المستويات، بضرورة التخلّص جذريا من منظومات الدّيكتاتوريات الرّجعية والتخلّف، إلى أواخر الثّمانينيات من خلال روايتي "شرق المتوسط'' و ''تلك الرّائحة''، ثمّ استمرّت محاورة تلك النّصوص بين الفينة والأخرى غاية اليوم.

إذن عبد الرحمن منيف ليس غريبا عن عالم قراءاتي منذ زمن بعيد، بل احتلّ مكان الصّدارة على مستوى السّرد. أمّا عن الرّسّام والفنّان التّشكيلي السّوري مروان قصاب باشي، فلم أكن قط أعرف اسمه إلى أن صادفت كتاب: ''في أدب الصّداقة ''(1).

تضمّن هذا العمل التّوثيقي المهمّ زهاء مائة وأربعين رسالة تبادلها الصّديقان الكبيران،كلّ واحد في مجاله، فقدّما فعليا من خلال أربعمائة صفحة ونيف درسا أخلاقيا عظيما أبديّا انطوى على قيم إنسانية غير قابلة للمساومة أو التّقسيط مثلما يستشفّ القارئ: الصّداقة، المحبّة، الوفاء، النّبل، المعرفة، الوطن، الأمّة، الحرّية، الفنّ، الجمال، المقاومة، الدّأب، الاعتراف…مبادئ حضرت بزخم على امتداد الرّسائل،فأخرج الأخيرة من إطار الرّوتين المستند أساسا على تبادل المشاعر المألوفة والأخبار العادية واستقصاء معلومات الوقائع الشّخصية وتعويض قسري عن الاتّصال المادّي المباشر، لكنّ رسائل منيف وقصاب باشي جسّدت بكلّ المقاييس خطابا ثريّا ذا قيمه مثالية ليس فقط على مستوى إرساء معاني دالّة للغاية بخصوص صداقة وفق مفهومها الاغريقي الفلسفي المجرّد، المنتج لحقيقة وجودية أساسها محاولة فهم العالم بالحوار الفكري التأملي. تتجلى لحظات فرح وغبطة عارمتين بمجرّد تسلّم أحدهما رسالة من الثّاني،لأنّها صداقة حقيقية جدا ابتدأت منذ دائما ولن تنتهي قط نتيجة تخليدها عبر هذا الإصدار.يقول فواز طرابلسي :'' هذه المراسلات قصّة صداقة سابقة على بدء التراسل.وصداقة تجلّت وتطوّرت أثناءها ومن خلالها.في تعليق على كتاب عبد الرحمن منيف''عروة الزمان الباهي''،عن صديقه المناضل والصحفي المغربي الباهي محمد، كتبتُ أن عبد الرحمن يؤسس في كتابه لأدب جديد هو أدب الصداقة.في هذه المراسلات،يكتب الصديقان عبد الرحمن منيف ومروان قصاب باشي سفرا جديدا في هذا النوع الأدبي''(2).

مقالات نقدية من الصّحافة الورقية إلى النِّت :حكاية سريعة
2026 - 08 - 27

حينما كنّا صغارا، وعند طرح سؤال المهنة التي نحلم بها مستقبلا، انطوت غالبا أجوبة أفراد جيلي أساسا على تطلّعات أربع: طبيب، طيّار، مهندس، صحفيّ. كان دائما وازع الصّحافة ينافس ويجاري بقوّة الحضور الرّمزي الكبير للمهن الثّلاثة الأخرى وإمساكها بمخيال أبناء الطّبقات المتوسّطة والبورجوازية الصّغرى. غير، أنّه جرّاء التطوّرات النّاجمة عن تغوّل الرّقمي وكذا تبدّل أحوال العالم فكريا وإيديولوجيا بانتقاله من سياق صراع الأفكار والمنظومات إلى مرتع استهلاكي مجنون لأوليغارشيات مستذئبة، فقد تنازلت الصّحافة منذ فترة بعيدة عن بوديوم المنافسة وأضاعت بلا شكّ زخمها وبريقها وإشعاعها.

أيضا، يحيل العدد أربعة على تصنيفها التّاريخي المعهود منذ تبلور الدّولة الوطنية حسب مقوّماتها المؤسّساتية والدّستورية، باعتبارها سلطة رابعة إلى جانب التّشريعية والتّنفيذية والقضائية. هكذا، ظلّت الصّحافة أو ''صاحبة الجلالة'' مثلما جرى لقبها المجازي، تجسّد بوصلة ومنارة استمرار القيم الإنسانية الجوهرية راسخة داخل المجتمع، عقبة كأداء وسلطة مضادّة تقاوم مختلف نوازع الانزياح نحو الملاذات الجهنّمية الغريزية والبهيمية كما الوضع البشري راهنا على جميع المستويات.

في سياق هذا المنظور، وارتباطا بأجواء القمع السّياسي السّائد حينها في المغرب ضمن أجواء حرب ضروس من طرف النّظام على النّخبة اليسارية التقدّمية، اختبرتُ أولى بواكير الوعي الصحفيّ من خلال الجريدة المكتوبة، لأنّ المرئيّ والمسموع كانا محتكرين بالمطلق من طرف أجهزة الدولة. يكفي التّذكير بمناسبة سياق هذا الحديث، أنّ وزير الدّاخلية ادريس البصري احتكر أيضا احتكارا وزارة الاعلام، بالتّالي لاحركة ولاسكينة سوى بإشراف أجهزة وزارته.

لم يكن من ملجأ للظّفر بغنيمة المعلومة البديلة، وتمثّل طبيعة الحسّ الإنسانيّ السّليم الذي يحترم الذّكاء، سوى مع جرائد الأحزاب التقدّمية خلال تلك الحقبة : الاتحاد الاشتراكي، العلم، بيان اليوم ، أنوال، إضافة حقيقة إلى الغنى المضموني والثّراء المعلوماتي لجرائد عربية خلال الفترة ذاتها : الشّرق الأوسط(أذكر جيّدا حقبة إشراف عثمان العمير)، القبس، الحياة، الزّمان، القدس العربي (فترة عبد الباري عطوان).

تحميل المزيد
لا مزيد من المشاركات لاظهار