مقالات نقدية من ساعي البريد إلى الإيميل
2026 - 04 - 28

لم يكن ساعي البريد مثلما عاينتُ زمنه مجرّد موظّف عمومي عادي يؤدّي وظيفة يومية روتينية، بل هو رمز ارتبط خلال عهوده الزّاهرة ارتباطا شبه عضوي بمختلف جماعات الأحياء السكّانية، ينقل إليهم الرّسائل و الطّرود بمختلف أنواعها والاشعارات، كما يحيط بالتّفاصيل الكبرى لهويّات المنازل وتواريخ أفرادها وقصص أهلها، يستضيفه أهل الحيّ، يلج البيوت بعفوية دون تكلّف، يدعونه خلال المناسبات، وتقاسم الوجبات، بحيث ارتقت العلاقة معه إلى المستوى الأسريّ والعائليّ.

يستحيل على أجيال ماقبل المنظومة الرّقمية، عدم استحضار ذاكرة ساعي البريد وحكايات شتّى تختلف وتتباين مفعمة غالبا بسلوى الحنين، لكن تلتقي خيوطها عموما عند واقعة مفصلية اختبرها الجميع بحلاوتها ومرارتها، أفراحها وأتراحها، أقصد تحديدا فترات نهاية الموسم الدّراسي حينما تبعث إدارات المؤسّسات التّربوية نتائج التّقويم إلى أولياء وآباء التّلاميذ عبر خدمات ساعي البريد وقد وضعها ضمن محتويات تلك المحفظة الجلدية الصّفراء المهترئة على سلّة مقود درّاجته الهوائية أو النّارية.

مقالات نقدية خالي عثمان (2/1)
2026 - 04 - 15

كان أقرب أخوالي إلى قلبي صدقا، خالي عثمان بعد فترة تعارف قصيرة.غادر الرجل المنزل منذ أواخر الخمسينات نتيجة شجار بسيط للغاية مثلما يحكى مع جدّي، بسبب عبارة ساخرة صدرت من فم الأخير، مضمونها حقيقة يحتمل معنيين حسب طبيعة مزاج سياق الحديث :

-''ما الذي تحتاج إليه أيّها العاري؟ خاتما يا سيّدي''.

معنى مستفزّ نتيجة ملاحظة جدّي نحو تزيين خالي لأصبعه بخاتم فِضّيّ لا غير حسب رواية أمّي. 

خرج خالي غاضبا جرّاء العبارة السّاخرة ولم يعد سوى بعد مضي  أربعة عقود تحديدا نهاية الثّمانينات وقد غمر الشّيب رأسه وصار شيخا.التقطت عنه أخبارا يسيرة طيلة فترة غيابه، أساسا من فم أمّي التي تحبّه وتضمر له مشاعر الامتنان، بحيث احتفظت بين تلابيب ذاكرتها برسوخ واقعة اصطحابها معه وهي طفلة صغيرة مرتدية قفطانا تقليديّا إلى سينما الحيّ لمشاهدة الفيلم الهندي الشهير "منغالا البدوية''.

مقالات نقدية مروان قصاب باشي :''المهم هو النّور''
2026 - 01 - 25

ربّما لو لم يكتب عبد الرحمن منيف دراسته :''مروان قصاب باشي،رحلة الفن والحياة'' وإصدارها سنة 1996،ثم تبادل صحبة بطل تلك الدراسة جملة رسائل طويلة شخصية قارب عددها الثّلاثين اكتشفها القارئ العربي سنة 2012 بين طيات كتاب عنوانه : ''في أدب الصداقة عبد الرحمن منيف ومروان قصاب باشي''،بمبادرة من زوجة منيف سعاد قوادري وكذا قصاب باشي بعد وفاة مبدع مدن الملح سنة.2004

في حالة انعدام هاتين الوثيقتين،من المحتمل أن يظلّ اسم الرسّام والنّحات السوري مروان قصاب باشي،غير معروف،سوى لدى أقليّة من صفوة المهتمّين بتاريخ الفنّ والتّشكيل.

إشارة تعيد حقيقة طرح أهمّية الكتابة وجوديا والتخلّص قدر الإمكان من كسل التّداول الشفوي السطحي والعابر،وقد ترسّخ تقليده للأسف أكثر وصار واقعا قائم الذات مع تراكم عقود أدبيات الرّقمنة التي قوّضت جذريا مختلف القيم المرتبطة بتأمّل الأفكار ومحاورتها بتؤدة ورويّة وعمق ضمن بوح مونولوغ أساسه عزلة بياض الورق.

بالتأكيد الكتابة حيوات متجدِّدة،ولادات مستمرّة،صياغات لاتنتهي، تلاحق جدلية الحياة والموت،التّلاشي والانبعاث.قد يقول قائل،يكفي مروان قصاب باشي تراثه الفني على مستوى التّشكيل والنّحت التي انطلقت حلقاته منذ الخمسينات غاية وفاته سنة 2016، فأضحى اسما عالميا احتضنت لوحاته ومنحوتاته أرقى المؤسّسات الدولية والصّالونات الفنّية في ألمانيا وأمريكا وانجلترا، ملهِما أجيالا من الفنانين بل واعتُبرت تراكمات هذا المنجز مدرسة بجانب مدارس الفن المعاصر،يلزم مع ذلك الإقرار بأنّ منيف ساهم عربيا في استعادة هويّة قصاب باشي،وإعادة تسليط الضّوء قوميا على هذا المبدع،وقد تبلورت روافد استيهاماته الخلاّقة بين رؤى عزلة جليد وصمت برلين ثم حنين دفء حميمة أمكنة طفولة دمشق.

مقالات نقدية الخليل بن أحمد الفراهيدي
2026 - 01 - 20

عند محاولة التّأريخ لتراكمات درس النّحو العربي،يظهر باستمرار سيبويه باعتباره المرجع الأوّل والسّند الأصلي،في حين يبقى اسم الخليل بن أحمد الفراهيدي بداية المشروع الحقيقي لدراسة اللغة العربية نسقيا،تركيبيا وصوتيا،وفق رؤية متكاملة تبلورت منهجيا وعلميا،قياسا لما فعله أبو الأسود الدؤلي،باعتباره أوّل مبادر كي ينحو من هذا النحو بتوجيه من الإمام علي بن أبي طالب"ما أحسن هذا النحو الذي قد نحوت''،سعيا إلى حماية القرآن واللغة العربية نتيجة اختلاط العرب بالأعاجم في أمصار العراق، بعد أن شاع اللّحن ولاسيما قراءة أحدهم الآية : "إن الله بريء من المشركين ورسولِهِ"(بكسر اللام)،أو بما فعله سيبويه خلال القرن الثاني عندما قنّن وهيكل بنيويا مختلف الاجتهادات المتواترة سابقا،يظلّ  حقيقة الخليل بن أحمد الفراهيدي عقلا جبّارا ومبدعا نَظَمَ شتات النحو وصار علما وفق الصورة التي نعاينها بين صفحات الكتب التعليمية التراثية:''مؤصّل علم النحو العربي وواضع مصطلحاته، وباسط مسائله،ومسبّب علله، ومفتّق معانيه، أستاذ أهل الذكاء والفطنة، مكتشف علمي العروض والقافية، الموسيقى، الرياضي، المعجمي، المحدِّث النحوي اللغوي ''(1).

هكذا،يعتبر الخليل أستاذا لسيبويه،الذي استثمر كثيرا من خلاصات زعيم مدرسة البصرة وواضع علم العروض والقافية وكذا أول معجم في اللغة العربية،ناقلا إيّاها مرة بالإحالة الصريحة وأحيانا أخرى بكيفية ضمنية.يقول الزبيدي عن ريادة الفراهيدي:''وهو الذي بسط النحو ومدّ أطنابه وسبب علله وفتق معانيه وأوضح الحجاج فيه،حتى بلغ أقصى حدوده وانتهى إلى أبعد غاياته،ثم لم يرض أن يؤلّف فيه حرفا أو يرسم منه رسما ترفعا بنفسه وترفعا بقدره إذ كان قد تقدم إلى القول عليه والتأليف فيه،فكره أن  يكون لمن تقدمه تاليا،وعلى نظر من سبقه محتذيا.واكتفى في ذلك بما أوحى إلى سيبويه من علمه،ولقنه من دقائق نظره ونتائج فكره ولطائف حكمته،فحمل سيبويه ذلك عنه وتقلده وألّف فيه الكتاب الذي أعجز من تقدم قبله،كما امتنع على من تأخر بعده''(2).

وردت على لسان سيبويه المسائل النحوية التي أدلى بها الفراهيدي،واستشهد باسمه خلال مايقارب ثلاثمائة وثمانين قضية لغوية،مثلما أحال سيبويه ضمن ذات المقام على شيوخ وأئمّة آخرين مثل عِيسَى بْنُ عُمَرَ الثَّقَفِي ويونس بن حبيب.   

تحميل المزيد
لا مزيد من المشاركات لاظهار