عرف الصّحراوي عامل الحمّام أو ''الكسّال'' بمثابرته وجدّيته وشغفه اللاّمتناهي بمهنته. ينحدر من منطقة زاكورة، فكان صورة أمينة تماما لمميّزات سلالة المنطقة الصّحراوية، قبل تسيّد جنون ثورة التّهجين الفظيعة النّاجمة عن سلبيات العولمة وفوضاها العارمة ضمن توتاليتارية النّمط والتّنميط بكيفية مطلقة، حيث اختلط عبثا كلّ شيء بأيّ شيء؛ مع نضوب المنبع الأصلي للمجرى المائي.
على منوال ذلك ثالوث أمّي، ماما، ''اْمّي''، تعبيرات لغوية مرتبطة بوضعيات سياقات مجتمعية وانتماءات طبقية ومرجعيات أيديولوجية، كما الوضع اللّغوي عموما. بالتّالي، هي ألفاظ غير بريئة تماما بل تعكس أبعادها تراثا بعينه ورؤية نسقية.
لم يكن جائزا مبدئيا لاسيما خلال الفترة التّاريخية السابقة عن انقلابات العولمة ومابعدها، التلفّظ بكلمتي ''بابا'' أو ''ماما'' داخل فضاء الأحياء الشّعبية التّراثية، فمن شأن ذلك تصنيف المتكلّم سريعا ومن الوهلة الأولى ضمن الجنس البشري الذي ينزع أكثر نحو الجانب الأنثوي مما يؤثِّر بكيفية واضحة على موقع انتمائه إلى المجتمع الذّكوري، عبر مؤشّراته الثّابتة وفق سياق جملة تصوّرات أهمّها الدّأب على الاختلاط بالشّبّان وانحداره بمسألة الارتباط بالبيت إلى مرتبة دنيا، ثم ضرورة خوضه بعض الشّجارات والمعارك أمام الملأ لتأكيد جدارة الانتماء، وكذا الدّخول في نزاعات مع الأسرة تجبره على قضاء ليالي خارج البيت.
التأمّلات الشّاردة المتّجهة صوب الأعلى، المشرئبّة نحو الارتفاع والقمّة، وتشير الى قوام مختلف الأشياء المستقيمة، وتنحو بنا وجهة العمودية، من خلال الحلم بعيدا في عالم آخر، هي أحلام قد تخلّصت من الأسفل وألغته كي يستدرج بالحالم نحو قمّة تجسّد ملكوت القمم. يدرك، أخيرا، كنه القوى المتعالية ودوافع التّعالي التي ظلّت مكبوتة نتيجة ضرورات الحياة المشتركة والعامة ذات المنحى الأفقي.
جلوس منعزل بجوار لهيب شمعة أو قنديل، يمكِّنه من إدراك حيثيات العمودية المتخيّلة عير التأمّلات الشّاردة، مادامت الشّعلة خطّا عموديا وكائنا حيّا. يستلهم هذا الحالم دروسه وعِبَره من اندفاع الشّعلة نحو الأعلى ثم حتمية النّهوض من جديد: ''إنّها لحظة عظيمة، وكم هي جميلة الشّعلة عندما تحترق جيدا! كم تبدو الحياة ناعمة مع شعلة تتمدّد، وتنسلّ! هكذا تتداخل قيم الحياة والحلم''(1). تكشف الشّعلة عن مختلف مظاهر ودوافع التّعالي.
قبل سطوة المراكز التّجارية الكبيرة المعاصرة نتيجة تمدّد منظومة اللّيبرالية واقتصاديات السّوق وفق أبعادها التوسّعية، ظلّت نواة دكّان الحيّ نقطة محورية ضمن البنية الحضرية لأحياء المدينة التّراثية العتيقة. تواجدت حوانيت صغيرة، ارتبطت ارتباطا عضويا بحاجيات ساكنة محيطها القريب.
يوفّر البقّال المواد الأساسية أحيانا اقتراضا غاية بداية الشّهر أو نهاية الأسبوع بالنّسبة للحِرَفيين الذين يتقاضون أجورهم أسبوعيا، أو مابينهما حسب رغبة الزّبون وطبيعة وضعيته المهنية ثمّ كيفية قدرته على أداء المبلغ المطلوب، لذلك شَكَّل الدّفتر التّوثيقي الصغير جزءا من هويّات المنازل، لأنّه بمثابة مستند تطوي صفحاته المتّسخة ذاكرة مختلف المواد التي استعارتها الأسرة من الدكّان.