ترجمات ستيفاني غوناند : استعادة تراث مدام دي ستايل
2026 - 10 - 14

تقديم : صدر كتاب ستيفاني غوناند عن مدام  دي ستايل :''جيرمين دو ستايل،ثمن الحريّة''(منشورات بيران،2026)،بحيث تقترح إعادة قراءة مسار فكر دي ستايل كوجه بارز على مستوى الحياة الفكرية الأوروبية.   

ستيفاني غوناند أستاذة الأدب الفرنسي للقرن الثّامن عشر في جامعة باريس،وإحدى قدامى طالبات المدرسة العليا للأساتذة في فونتيناي ومبرّزة في الآداب الحديثة، لكنّها عرفت أساسا بتخصّصها في تراث شخصيتين هما: جيرمين دو ستايل و ماركيز دو ساد.

هكذا أنجزت حول ماركيز دي ساد عملا سيريا صدر عن غاليمار سنة (2018)، ثمّ دراسات عن مدام دي ستايل،منها : ''الغرفة السوداء،جيرمين دو ستايل والفكر السلبي''(2017) ، ''أنس الليل'' (2022) ،''أبجدية جيرمين دي ستايل''(2023).

ترأّست خلال سنوات (2015-2024)''هيئة الأبحاث في دي ستايل'' وأشرفت على منشورات انصبت مضامينها على كتابات دي ستايل.

س- ولدت جيرمين دي ستايل سنة 1766، جسّدت وحدها صورة الكاتبة، والمثقّفة والمسؤولة عن صالون أدبي خلال القرن الثّامن عشر، وبمثابة رمز مهمّ من رموز الرّومانسية والفكر اللّيبرالي بحيث يستمرّ أثرها وانخراطها السّياسي في ممارسة سحرهما. راكمتِ منذ خمسة عشر سنة أبحاثا انصبّت على تراث دي ستايل : فما الذي استمالكِ أكثر بهذا الخصوص؟ وما المكان الذي تشغله دي ستايل ضمن تطوّركِ الذّهني؟

ج-عندما اكتشفتُ أعمال دي ستايل 2010، انجذبتُ منذ الوهلة الأولى لقوّة تحليلها : امرأة خبرت وقائع سياسية مثيرة وأحداثا قوية دون التّنازل قط عن تمرين فكرها.بالعكس، سعت إلى الاستدلال على كلّ شيء، حتى وإن عملت مبدئيا منظومة القائم على كبح تأويلاتها: الخسارات، الحاضر، الألم، الأسرة،ثمّ مشاعرها الخاصة أو دلالة كونها فرنسية. استأثر باهتمامي أكثر إلحاح تبصّرها، فازداد تطلّعي نحو تراث مسار ''اشتغل عند العتبات'' : كتبت مدام دي ستايل مؤلّفاتها وعاشت عند حدود عدّة دول، وأجناس متباينة، ونماذج مختلفة عَبَرتها  بانتظام، مما جعلها خارج إطار التّصنيف. أعجبتُ منذ البداية بشجاعتها الفكرية وجرأتها على الانعتاق. تزامن هذا الاكتشاف مع بلوغي حقبة النّضج على المستوى الشّخصي وكذا الحياة المهنية، لذلك أرست حميما قيم مدام دي ستايل،وأفكارها بل وكلماتها نفسها معالم بناء تكويني. أمدّتني كتبها بثراء، وأضاءتني غاية هيكلة مجمل فكري ووجودي، وإن اجتهدت على مستوى مراعاة مسافة نقدية نحو دي ستايل.

س-ماهي بحسبكِ، الأفكار الكبرى وكذا القيم التي دافعت عنها جيرمين دوستايل؟ وإذا اقتضى المقام استعادة أحد نصوصها، فأيّها تختارين ولماذا؟

ج-تدعو نصوص دي ستايل إلى الحرّية، صفاء الذّهن والشّجاعة. بل تمثِّل بالنّسبة إليّ مختبر استبصار: يلزم الإبقاء على العيون مفتوحة ونستسيغ بأنّنا لسنا كائنات عقل، بل المشاعر قصد النّجاة من أشكال الاستلاب التي تهدّدنا عبر مختلف الجهات من خلال مؤسّساتنا السّياسية، عائلاتنا، قنواتنا الاجتماعية، علاقاتنا الثّنائية. يملي الاهتمام، الطّموح، الأنانية أغلب تصرّفاتنا ويستدعي الأمر العيش أوّلا بطريقة حرّة كي ندرك بوعي أوجه قصورنا. بمجرد استساغة معطيات هاته الهشاشة - تجرح باستمرار كبرياءنا، وتسليط الضّوء عليها يثير هجومات أو رفضا- يمكننا رسم حافة ضيقة، نمضي وفقه قدما بين عثرات فردية وجماعية تهدّدنا بالتّحطيم.تعتبر حرية دي ستايل في الوقت نفسه رفيعة وهشّة: توازن محفوف بالمخاطر يتطلّب يقظة خلال كل لحظة. أستحضر من بين مختلف نصوص مدام دي ستايل اللاّفتة للنّظر، كتابها: ''تأثير الانفعالات على سعادة الأفراد والأوطان''(1796) الذي ألّفته خلال فترة لم تتجاوز سنة واحدة بعد الرّعب النّاجم عن سياق الثّورة،تضع أطروحات الكتاب دون تساهل أمام المعاصرين مِرآة بخصوص الانفعالات التي تنغمس بهم في الشّقاء دائما باعتبارهم كائنات بشرية وكذا مواطني جمهورية فتيّة. نستشفّ من خلال ذلك بصيرة مدام دي ستايل، فلسفته الأخلاقية، مفهومها الحديث للذات، المهمومة بشكل واضح، المتمرّدة عن كل مرجعية يقينية أو الانقياد خلف مشاعر مندفعة.

س-كيف أمكن جيرمين دي ستايل التّوفيق بين الحرّية الشخصية والالتزام السّياسي،خلال حقبة لم تترك غير مكان صغير جدّا للمرأة؟

ج-استفادت دي ستايل من وضع غير نمطي : فقد كانت الفتاة الوحيدة لعائلة نيكر،هكذا عاينت منذ شبابها شخصيات تنتمي لأعلى دوائر السلطة.بدت شغوفة أكثر بالوظائف الوزارية لأبيها،بحيث لم تنصرف خلال تربيتها،عن عالم السياسة.استلهمت من أمّها،سوزان نيكر،جملة مبادئ ضمن وجهة مغايرة عن التي طوّرها روسو في كتابه''إيميل''،بمعنى الاطّلاع على مجالات معرفية متعدّدة،ومجالات أقلّ نسائية خلال تلك الحقبة كما الشّأن مع السّياسة.هذا مايميّز  فرادة طفولة وكذا وضع أرسيا سبيلا لمدام دي ستايل كي تشغل موقعا طبيعيا ضمن المشهد السّياسي،وإن افتقد ذلك لأيّ شرعية مجتمعية.مدام دي ستايل،وفق مفاهيم أخرى منحت نفسها حقّ التّفكير في الحياة العمومية ورهانات الدّيمقراطية الدّستورية أو الاجتماعية،بينما يهاجم الفضاء المجتمعي والإعلامي بعنف الاقتحام أو الخلل الشّاذ الذي جسّدته.هكذا حظيت دي ستايل بوضع موقعا لم يمنحه قط إيّها أيّ شخص.

س-هل يمكن القول بأنّ مدام دي ستايل جعلت من الجرأة نهجا سلوكيا وتقريبا ضرورة وجودية؟

ج-نعم يخبرنا كلّ شيء في حياة وكتابات دي ستايل،بما يلي :''يلزم التّجَرّؤ''. التّجَرّؤ في مواجهة أشكال الرّقابة العائلية، الأحكام القَبْلية، الأعراف، لكن يلزم الانتباه: تقتضي الجرأة غالبا ثمنا مُكَلِّفا على مستوى السّعادة، بل والطّمأنينة. تبرير جعل دي ستايل تضع دائما بجانب دعوتها التحفيزية لاسيما إلى النّساء قصد التحرّر، تنبيهها القائل: هذه وجهتي، وقد بادرت بشجاعة نحو استتباب الخطوة الأولى. إذا قررتنّ اقتفاء أثري، فتذكرنّ بأنّ السّفر صعب جدا، مؤلم، وهناك مجازفة بعدم العودة.

س-نعلم جميعا معارضة جيرمين دي ستايل للإمبراطور نابليون. مامصدر هذا الصّراع: اختلاف سياسي، تصوّر للحرّية، علاقة مع السّلطة؟

ج-طبعا يعتبر الوازع السّياسي، باعثا مبدئيا للصّراع بين دي ستايل وبونبارت: بالنسبة لدي ستايل،فقد خان بونبارت الحريّة وإرث الثّورة الفرنسية بل الأسوأ من ذلك أرسى نظام حكم غير أخلاقي استند على التّرهيب،التّمويه والمصلحة. تواري المصلحة العامّة أمام زحف الأنانية، تحديدا سنة 1804 عندما أسّس نابليون محكمة عليا وبالتّالي سيادة إذعان خطير متخلّف عن العصر.جريمتان سياسيتان، جعلتا الإمبراطور مذنبا في نظر دي ستايل :الاستبداد والاستخفاف. ماتسمّيه تقييمات إشارة السّياسة الحديثة ب''الميكيافيلية''.

س-انتهت دو ستايل إلى رحلات المنفى نتيجة معارضتها لنابليون.ماالوجهة التي أخذها فكره في خضمّ تلك التّجربة؟هل شكّلت فقط تجربة،أو أيضا مصدرا للحريّة الذّهنية؟

ج-استمرّت سنوات منفى دي ستايل إحدى عشر سنة (1803- 1814). تدرّج بالتّأكيد هذا العقاب عبر مستويات، مُنِعت بداية من البقاء في باريس، ثمّ انتقل القرار كي يشمل بقاءها على امتداد كلّ التّراب الفرنسي. لازمها أوّلا وجع: الابتعاد عن أبيها وكذا فضاءات عزيزة عليها وبدا الوضع بمثابة محنة حقيقية عاشتها دي ستايل،التي تكره السّفر وظلّت امرأة جذور. خلال أسفارها تلك،حينما قرّرت البحث في الجانب الآخر من الحدود عن ماتفتقده فرنسا تحت سلطة نابليون،أي الحرية والفكر النّقدي وكذا الحوار، فقد توخّت انتزاع ذاتها من آلامها والانخراط في الاختلاف. دشّن اكتشافها ألمانيا سنة 1804،مرحلة مفصلية خلال مسارها الفكري. بعد سنة انتقلت إلى إيطاليا،فصارت رؤاها أكثر ثراء،ثمّ عبرت أوروبا،غاية روسيا والسويد عام 1812، فاكتشفت دو ستايل ثراء شمال أوروبا. صار هذا التّجوال وكذا إعادة النّظر في القوانين الفرنسية، مسألتين ضروريتين لم يعد قط بوسع دو ستايل الاستغناء عنهما: سواء فكريا -أنجزت دو ستايل أهمّ فصول كتاباتها خلال مرحلة المنفى-ولا نفسيا،بل وجوديا بحيث جعلها المنفى''أوروبية'' أكثر من كونها فرنسية. 

س-ما الصّعوبات التي واجهتكِ وأنتِ بصدد تدبيج هاته السيرة الذاتية لجيرمين دي ستايل؟

ج-يجيب سؤال كتابة سيرة ذاتية على حلم إضافة رؤية جديدة إلى حدّ ما عن حياة الشّخصية :سواء باستنطاق أرشيفات تكتشف لأوّل مرّة،أو بالاعتماد على منظور مختلف. والحال أنّ حياة دي ستايل طرحت أمامي صعوبتين: لقد تحدّثت دي ستايل كثيرا عن طفولتها وكذا شبابها،هكذا تراكمت بين يديّ عدّة نصوص سردية وكذا جملة وثائق حول دي ستايل. لقد أدركت دوستايل بسرعة قابلية حياتها للجمود نتيجة قبضة قوالب نمطية : شهرة أبويها، شكلها الذّميم، ثم معارضتها نابليون.هكذا توارت حياتها تلك خلف الأساطير والكلمات. إذن، سعيتُ بكلّ فؤادي إلى إزالة طابع التحجّر عن وجودها : انتزاع دي ستايل من روايات المعطيات السابقة كي أعيد لها طراوتها وإن استطعت مكمن حقيقتها.منظور نسائي يتجنّب أيضا بعض عثرات حيوات النّساء : مثَّلَت دو ستايل خلال كل حقبة،هدفا لهجومات عنيفة تكره النّساء،بالتّالي ينبغي أن ننظر حاليا بعين الاعتبار سواء بحياد أو تعاطف إلى تحدّيات اختياراتها الاستثنائية.

س-ماهي الخلاصة التي انتهيتِ إليها على ضوء مستجدّ سيرتكِ حول مدام دي ستايل؟

ج- توخّيت أن أجعل من دي ستايل ذاتا أكثر من موضوع.أفق يفترض الابتعاد عن السّرديات التّقليدية قصد الاصغاء إلى كلماتها الخاصة واكتشاف تحليلاتها الشّخصية. جدير بدي ستايل، عبر صفحات كتابي،ليس فقط أن تشغل موقع المركز،بل الوعي الذي من خلاله يجري أمامنا التّاريخ والوقائع. يقتضي بشكل ملموس،هذا الاختيار تمييز كلماتها، عباراتها وكذا فهمها، بالعمل على التّفكيك الكلّي للتّأويلات الجاهزة التي تقيّد هذا الوجود.لقد شكّل التّبئير الحميمي وتقويض القوالب رهانين انطلقتُ منهما كي أجعل هذه المرأة المذهلة تعيش تحت أنظارنا.

س-لماذا اليوم إعادة قراءة جيرمين دي ستايل؟ماذا بوسع كتاباتها تقديمه للأجيال الشابّة؟

ج-قراءة دي ستايل اليوم ضرورة ليس فقط على مستوى تحليلها السياسي الذي يسلط الأضواء على تحدّيات الدّيمقراطية، بل وضعها المعتدل، ضمن وجهة معاكسة لأشكال التطرّف،يساعد أيضا على فهم التّوتّرات التي تمزّق مجتمعنا.قدّمت دو ستايل أيضا مِرآة نسائية متداخلة لاسيما بالنّسبة لمن يفكّرن ويفكّرون في عبء الأعراف وكذا الأحكام والتصوّرات الجاهزة. أخيرا، يذكّرنا بالخطر مديح دي ستايل لوجهات الأماكن الأخرى وكذا الثّقافات المتعدّدة، لكن أيضا السّلطة التّضليلية للأسوار التي توطّد بين المجموعات البشرية وكذا الأوطان.

* مرجع الحوار :   

Napoleon.org : Mai 2026

ترجمات غاستون باشلار : فيكتور إميل ميشليه
2026 - 07 - 20

''الأسطورة، خلاصة حقيقة ممكنة''

(فيكتور إميل ميشليه،رموز ملهِمة)

ربما لم توجد مدرسة أدبية أكثر تعقيدا وسلاسة في الوقت ذاته من الرّمزية الفرنسية. بالتّالي، لايمكننا الاكتفاء بدراسة أساتذة لاجدال بشأن مكانتهم، قصد اكتشاف قوة وإشعاع هذه المجموعة من الشّعراء، بل يلزم أن نعيش ذاكرة رفقائهم، وكذا ولوج حياة صداقتهم. خدمة قدّمها شاب إنجليزي لتاريخ القصيدة الفرنسية بإنجازه أطروحة دكتوراه حول شاعر مجهول ينتمي إلى التيّار الرّمزي.

أظهر فيكتور إميل ميشليه انسجاما دائما، مع كبار التيّار الرّمزي. يمكن القول باستحضار حيويته على مستوى أجناس مختلفة، المسرح، الشّعر، السّرد، بأنّه جسّد إنسان التّواصل بين مختلف شعراء حقبته. التّاريخ يشهد على ذلك، وهو تاريخ ظلّ مجهولا بعثه من أنقاضه لحسن الحظّ الباحث رتشارد نوليز، الذي أتى إلى باريس، قبل خمس سنوات، وتأتّت له إمكانية اكتشاف حلقة أوفياء ميشليه الملتئمين داخل جمعية أصدقاء فيكتور ميشليه.

فتح له هؤلاء الشّعراء ضمنهم رونيه ألبير فلوري، وثائق أرشيفهم، وأتاحوا له ذكريات أسطورية تتعلّق بزمن شكّلت خلاله القصيدة رمز حياة عليا. كما وضعت زوجة فيكتور إميل ميشليه رهن إشارة الباحث رتشارد نوليز عدّة  وثائق. كم أندهش حينما يأتيني صديقي الشاب بنصوص أدبية من القرن الماضي، تحديدا جملة مراسلات مع أوغست دو فيلييه دو ليل آدم، ستانيسلاس دو غيتا، موريس باريز، ستيفان مالارميه، تقرّ لفكتور إميل ميشليه بمكانة تعتبره نظيرا لهؤلاء الشّعراء، الذين وُصِفوا كمتطوّعين لقصيدة شعرية منتصٍرة!

حاليا وقد ابتعدنا عن حقبة تلك البطولة الشّعرية، وأضحت العديد من الرّموز المتوقّدة مجرد قصيدة باهتة، بحيث لانفهم سياق تلك الأزمنة وقد مثّل الرّمز خلالها قوّة فطرية يبعث صورة رمزية من قصيدة إلى أخرى، مثل طائر العنقاء وكذا حريق رماده. انطلاقا من رمز واحد، تتوهّج كلّ الرّمزية. تتجلى إمكانية تكثيف أي رمز لمختلف القوى الشعرية داخل روح شاعر. يقول الرّمز- أو المونادا الشّعرية! -  بكيفية ثانية على طريقته تناسق العالم شعريا. ينعش الرّمز ماضي أسطورة وتاريخ. هكذا، تشكّل القصيدة سموّا إنسانيا يفتح أفقا.  

ترجمات غاستون باشلار : إدغار بو ومغامرات آرثر غوردون بيم (1/2)
2026 - 05 - 30

من بين الكتّاب القلائل جدا الذين اشتغلوا على أدب التأمّل الشّارد وكذا الفكر الموضوعي، ضمن منطقة مبهمة يتغذّى إبّانها الحلم من أشكال وألوان فعلية، كما تحظى في المقابل الواقعة الجمالية بمناخها الحُلُمي، يعتبر إدغار آلان بو أكثرهم عمقا وذكاء.  

أدرك إدغار بو من خلال عمق الحلم وكذا براعة السّرد، التّوفيق في نصوص أعماله بين خاصّيتين متعارضتين: فنّ الغريب وكذا فنّ الاستدلال. يعرف كيفية الرّبط بين الأفكار الخرافية. حين قراءة إدغار بو وفق التريُّث المطلوب، عبر الاهتمام باحترام ثنائية مقتضى الحلم والسّرد، نتمكّن عندئذ من جعل الذّكاء الأكثر وضوحا يحلم، مثلما ندرك مسألة تحفيز تأمّل شارد غير منتبه كثيرا، ومتقطّع جدا حتى يصبح مغامرة متواصلة. مثلا، إذا توخّينا حقا، ليس فقط قراءة رواية آرثر غوردون بيم بل تأمّلها والحلم معها، سنفهم كيف أنّ سفرا متخيَّلا، انصبّ على موضوعات واقعية، ميّزته في المقابل مختلف الوظائف الحُلُمية لسفر متخيَّل، كيف نحفِّز أحلاما ونحن بصدد الحديث عن الواقع. هكذا، يمسك فكر المغامرة بالقارئ. وحدها القراءة تغدو مغامرة، بفضل هذه الدّعوة الملحّة على السّفر. 

فضلا عن ذلك، ما الوظيفة النّفسية للسّفر؟ يقال بأنّنا نسافر كي نشاهد؛ بيد أنّه كيف يمكننا المشاهدة جيّدا دون الاندهاش ثمّ كيف ننذهل أمام إبداعات الواقع دون تمهيد مسهب لتأمّلات شاردة مألوفة؟ المسافرون الكبار قبل كلّ شيء، بمثابة حالمين كبار ضمن سياق مراهقة طويلة. يقتضي شغف الرّحيل، إدراك كيفية الانفصال عن الحياة اليومية. ينهل تذوّق السّفر من تذوّق التّخيّل. تبدو دائما حتمية هامش من التّخيّل قصد منح اهتمام للمشاهد الجديدة.

من جهة أخرى، بفضل التأمّل الشّارد يتحاور الرّاوي والقارئ بكيفية وثيقة. يصبح كل وصف فاتر جافّا إذا تعلّق الأمر بنقل تجربة جديدة.  وحدها القوى المتخيِّلة ترصد حقيقة البلدان المجهولة. آلية أدركها إدغار بو فطريا. أيضا، يصبح السّفر كارثيا حسب ريشته. أكثر تحديدا لن يتأخّر القارئ اليقظ كي يكتشف بأنّ مغامرات غوردون بيم تضعنا أمام حادثة ثنائية. انطوت فعلا عدّة صفحات على حادثة غرق إنسانية بجانب حادثة العاصفة، مأساة تكمن في الأشياء، والمشهد، وكذا العالم. عند نهاية العالم - سأظهر ذلك- يصبح الكون نفسه مأساويا. تكشف صفحات الكتاب، بأنّ أبسط تعاطف مع الكون يوحي بعالم قيد التبلور، وعناصر ''منزعجة''على الدّوام. السّكينة تعاسة تختبئ، والحقيقة للعجائبي المتواري، الحقيقة صورة تبقى لفترة طويلة كي تتحايل بشكل أفضل. لكنّ القوى الحُلُمية، المتكتِّمة، المكبوتة، بصدد التّراكم دون أن تفقد شيئا من قوّتها، وتتهيّأ مغامرات الحلم خلف مغامرات الواقع، كما تتحرّك مشاعر مأساة العالم، خلف سرد المغامرات الإنسانية. ينتهي تآمر العناصر الأصمّ إلى خلق عالم مثير تأخذ معه ثانية القوى الكونية الدور الذي نسبته إليها الأساطير البدائية. مثلا، يصبح الغامض نمط كابوس، عنصر تأمّل شارد حميمي، إلهة باطنية تضحك هازئة.

ترجمات غاستون باشلار : ماضي الشُّموع
2026 - 02 - 01

''شعلة مضطربة مُجَنَّحة،آه من نَفَسٍ أحمر، يعكس السّماء ويستكشفُ سِرَّكَ وما ستكونه موتكَ وحياتكَ''(مارتن كوبيش،أنطولوجية القصيدة الألمانية،ترجمة رونيه لازن وجورج رابوز،الجزء الثاني،ص 206 ).

خلال زمن سابق،عبر ذات الأحلام المنسية،أثار لهيب شمعة تفكير الحكماء؛وبعث لدى الفيلسوف المنعزِل آلاف الرُّؤى.فوق طاولة فيلسوف،بمحاذاة أدوات أخرى محتَجَزة ضمن إطار قالبها،ثم كُتُب تعلِّم بتؤدة،تستدعي شعلة قنديل أو شمعة أفكارا بلا منتهى،تثير صورا على نحو غير محدود.لقد شكَّل ذلك اللّهيب ظاهرة للعالم،بالنسبة لحالم بالعوالم.

ندرس نظام العالم بين طيّات كُتُب ضخمة ثم هاهي شعلة بسيطة – تستهزئ من المعرفة !– أمكنها فورا طرح لغزها الخاص.أليس العالم حيّا،مع فتيل لهيب شمعة؟ألا تمتلك حياة؟ألا تجسِّد إشارة مرئية عن كائن حميمي،وقوة سرّية؟ألا تنطوي هذه الشّعلة،على مختلف التّناقضات الباطنية التي تضفي ديناميكية على ميتافيزيقا أوّلية؟لماذا البحث عن جدليات الأفكار،ونحن نتواجد في قلب ظاهرة بسيطة عن جدليات الوقائع،والكائنات؟الشّعلة كائن بلا كتلة ومع ذلك تعتبر قويّة.

ماحقل المجازات الواجب اختباره إن توخّيْتُ،في إطار ثنائية صور توحِّد بين الحياة والشّعلة،كتابة ''تحليل نفسي"للشُّعل وكذا ''فيزياء'' لنيران الحياة !مجازات؟خلال سياق تلك الحقبة السّحيقة حينما كانت الشّعلة تحثُّ الحكماء على التَّفكير،وبلورت المجازات فكرا.

لكن تستمرّ قيمة التأمّل الشّارد،رغم موت المعرفة التي تطويها الكتب الشّائخة.سأحاول عبر صفحات هذا الكتاب الصغير،تسليط الضوء على وثائق شتّى نسجها خيال تأمّل شارد أوّلي،راكمتُها من متون الفلاسفة أو الشُّعراء.يصير كلّ شيء لنا ومن أجلنا، حين العثور ثانية على جذور البساطة ضمن رؤانا أو تواصل رؤى الآخرين.نتواصل أخلاقيا مع العالم بجوار شعلة.بكل بساطة، يغدو لهيب شمعة خلال سَمَرٍ،نموذج حياة هادئة ولطيفة.حتما، يشكِّل أدنى نَفَسٍ إزعاجا لها،مثلما يفعل فكر غريب على وقع تأمُّل فيلسوف متأمِّل.لكن عندما تتأتّى فعلا سيادة العزلة الكبيرة، وتدقُّ حقّا ساعة الهدوء،حينها يسكن نفس السلام فؤاد الحالم والشّعلة، بينما تحتفظ الشُّعلة على هيئتها وتمضي نحو مصيرها العمودي، حسب خطٍّ مستقيم، مثل فكر صارم.

هكذا،إبّان أزمنة كنا نحلم ونحن نفكِّر،مثلما نفكِّر ونحن نحلم،أمكن للهيب شمعة أن يقدِّم قياس ضغط ملموس عن هدوء الرُّوح، ومقياسا عن هدوء ناعم،يمتدّ غاية تفاصيل الحياة، يمنح نعمة استمرارية الفترة التي تعقب مسار تأمّل شارد مريح.هل ترغب في الطُّمأنينة؟ تنفَّس برفق أمام شعلة رشيقة تبلور بهدوء صنيع نورها.

تحميل المزيد
لا مزيد من المشاركات لاظهار